1. مقدمة

تتألف مجموعة دول منطقة البحر الأحمر (التي تعرف اختصاراً بـ RSA)، من دول تحيط بأحد أكثر الطرق التجارية أهمية على مستوى العالم، وتتمتع بإمكانات اقتصادية هائلة قادرة على جلب الرخاء لشعوبها وجعل المنطقة مركزاً للسياحة والتجارة العالمية. ولكن تواجه دول منطقة البحر الأحمر أيضا تحديات قد تهدد أهميتها للأسواق، وتضر بنظامها البيئي الفريد من نوعه، وتعمق من تفاوت الدخل في المنطقة. وتشمل دول منطقة البحر الأحمر المملكة العربية السعودية واليمن ومصر وجيبوتي وإريتريا والسودان والأردن وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا، ويتعين على هذه الدول أن تعمل معاً من أجل الحفاظ على أمن المنطقة، وتعزيز أهميتها في مجال الشحن العالمي، وتنويع اقتصادها، وتوفير الرخاء لشعوبها.

وفي حين أن دول منطقة البحر الأحمر لا تشكل اتحاداً رسمياً أو منظمة رسمية، إلا أنها تتقاسم العديد من المصالح الأمنية المشتركة فضلاً عن العديد من التحديات الاقتصادية القائمة منذ زمن طويل والناشئة حديثاً. فقد تعرضت جميعها لآثار المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تسعى بكين إلى تعزيز تأثيرها الأمني الإقليمي وتحول واشنطن أنظارها نحو منطقة آسيا-المحيط الهادي. تشترك الدول الساحلية في منطقة جنوب دول منطقة البحر الأحمر في رغبتها في ضمان أمن السفن التي تبحر عبر البحر الأحمر، من باب المندب بالقرب من اليمن إلى قناة السويس في مصر. ولكن لديها مخاوف أيضاً بشأن ظهور ممرات الشحن البحرية في منطقة القطب الشمالي والتي قد تسحب حركة المرور البحرية بعيداً عن البحر الأحمر. والواقع أن غزو روسيا لأوكرانيا، الذي نتج عنه العقوبات الغربية على موسكو ودفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع، من الممكن أن يدفع الاتحاد الأوروبي وغيره إلى توجيه المزيد من حركة المرور البحرية نحو الطرق القطبية الشمالية التي توفّر أوقات سفر أقصر وأكثر كفاءة في استخدام الوقود بين آسيا وأوروبا. ومع انخفاض تغطية الجليد في أقصى الشمال بسبب تغير المناخ، فإنه من الممكن أن يصبح عبور مسار بحر الشمال والممر الكندي الشمالي الغربي أمراً ممكناً على مدار العام بحلول عام 2035.

تسليط الضوء على التغييرات في الطرق البحرية في القطب الشمالي إثر تغير المناخ على مدى الثلاثين عامًا القادمة

وتتلخص الخطوة الأولى لدعم اقتصاد منطقة جنوب دول منطقة البحر الأحمر في أن تصمم دولها بشكل جماعي إطار عمل للتعاون من أجل التنمية الإقليمية من شأنه أن يضمن الأمن لنقاط عبور تجارتها، وأن يحمي البيئة، وأن يعزز التعاون في تمويل المشاريع والاستثمار والطاقة والتنوع البيولوجي. ومن الممكن أن تعمل المبادرات الأخيرة التي اتخذتها المملكة العربية السعودية، والتي ساعدت في عام 2020 على إنشاء مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر (المعروف اختصاراً بـ (RSC والذي يضم دولاً عربية وأفريقية، على تزويد منطقة جنوب أفريقيا بإطار محتمل للتعاون. تتمتع الرياض، التي أظهرت اهتماماً ثابتاً بتطوير دول منطقة البحر الأحمر ، بموقع جيد لأخذ زمام المبادرة والعمل مع الدول الغنية الأخرى مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا لجلب استثمارات جديدة للمنطقة من خلال مجلس البحر الأحمر. والواقع أن التقارب التدريجي الأخير بين قطر وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي يشكل فرصة لتعميق التعاون بين مجلس البحر الأحمر والدول غير الساحلية وتحقيق الأمن والنمو المستدام والازدهار إلى سكان المنطقة الذين يبلغ تعدادهم 253 مليون نسمة.

2. الأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها دول منطقة البحر الأحمر

عبر التاريخ اكتسب البحر الأحمر، الذي يقع على مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، أهمية استراتيجية على نطاق عالمي. إذ يربط الممر المائي البحر الأبيض المتوسط ببحر العرب، وهو أحد أكثر الممرات المائية في العالم التي تشهد حركة عبور للسفن. فهو يوفر للسفن طريقاً بحرياً أقصر بنحو 8,900 كيلومتر من الطريق البديل الأكثر شيوعاً، وهو رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. البحر الأحمر مهم جداً لتسهيل تدفق البضائع إلى الأسواق الدولية، حيث نُقِلَ أكثر من 1.32 مليار طن من البضائع من باب المندب عبر قناة السويس في1.2021/2022 وهو أيضاً شريان حيوي لشحنات النفط والغاز، حيث يشكل %7 إلى %10 من النفط الخام على مستوى العالم ونحو 8% من تحويلات الغاز الطبيعي المسال. كما إنه ذات أهمية للتجارة الزراعية حيث يمرّ أكثر من 45 مليون طن من المنتجات سنوياً عبر باب المندب.

12% من التجارة العالمية السنوية تعبر قناة السويس بقيمة تتجاوز 1 تريليون دولار. يعبر 1.74 مليون برميل يومياً من النفط قناة السويس2، مع %25 من صادرات الغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط المتجهة إلى الأسواق الأوروبية. ويجري حالياً وضع خطط لتوسيع القناة. ومع اكتمال إنجاز التوسيع المتوقع في يوليو/تموز 2023، تعمل مصر على توسيع وتعميق القناة الواقعة إلى أقصى الجنوب من 30 كم، وتمديد القناة الثانية لزيادة طاقتها. ففي عام 2020، منعت سفينة الحاويات Ever Given حركة مرور قناة السويس لمدة ستة أيام، الأمر الذي منع مرور ما قيمته 10 مليار دولار من التجارة اليومية، وسلّط هذا الحادث الضوء على ضعف القناة وأهميتها بالنسبة للاقتصاد العالمي.

سفينة بضائع تشق طريقها عبر البحر الأحمر

سفينة بضائع تشق طريقها عبر البحر الأحمر

وإلى الجنوب، يعدّ مضيق باب المندب واحداً من أكثر نقاط الاختناق أهمية على مستوى العالم، وخاصة فيما يتصل بتدفقات النفط. وطبقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن 6.2 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة عبرت المضيق في عام 2018، وشكلت نحو %10 من إجمالي النفط المنقول بحراً.³ فالمضيق ضيق بشكل خطير، إذ يبلغ عرضه 30 كم فقط، وينقسم إلى قناتين عند جزيرة بيريم. إن قرب المضيق من اليمن يشكل تحديات أمنية إضافية، إذ تحاول الدول الإقليمية التي تساند الحكومة الشرعية في حربها لمنع منظمة الحوثيين التي تدعمها إيران من تهديد السفن العابرة. وقد بنى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن ما يبدو أنه قاعدة عسكرية في جزيرة بيريم لمواجهة تهديدات الحوثيين للتجارة البحرية بعد سلسلة من الهجمات على قوات التحالف. وكان من بين هذه الأحداث استهداف قوارب متفجرة محملة بالتحكم عن بعد لفرقاطة سعودية اسمها “المدينة” إلى الغرب من ميناء “الحديدة” في اليمن، وحوادث عديدة شملت سفن تجارية وبحرية ترفع أعلام دول محايدة. ⁴ وفي عام 2018، دفعت الضربات التي استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين ــ بالقرب من الحديدة مرة أخرى ــ السعودية إلى تعليق عبور سفنها من باب المندب. وتقع جيبوتي على الشواطئ الغربية للمضيق، والتي تؤوي قواعد عسكرية متعددة تديرها جهات فاعلة دولية مثل الصين والولايات المتحدة وألمانيا وأسبانيا وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية. وتحتفظ جميع هذه القوات بالوجود العسكري هناك لضمان دورها في التأثير على أمن نقطة العبور البحرية الرئيسية هذه.

وإلى جانب أهميتها الاستراتيجية، تتمتع دول منطقة البحر الأحمر أيضاً بيئة فريدة. ويعرف البحر الأحمر بشكل متزايد على أنه ملاذ مناخي محتمل للشعاب المرجانية نظراً لزيادة سرعة تكيّف المرجان فيه مقارنة بأجزاء أخرى من العالم. ويدعم النظام البيئي للبحر الاحمر وخليج عدن التنوع البيولوجي مع نسبة عالية من الانواع المستوطنة هناك؛ حيث يستوطن ما يقرب من %15 من أسماك البحر الأحمر هناك.⁵ ويوفر الصيد مصدراً رئيساً للغذاء والدخل للعديد من المجتمعات الساحلية في المنطقة. بيد أن تدهور المواطن الطبيعية الساحلية والصيد الجائر قد أديا إلى انخفاض الصناعة. وعلاوة على ذلك، كانت زيادة النشاط البشري والنمو الاقتصادي سبباً في تهديد استقرار النظام البيئي في البحر الأحمر على الأمد البعيد وفي نفس الوقت شكّل ضغوطاً على البيئة. لا شك أن تغير المناخ سوف يستمر في تدهور النظام البيئي في البحر الأحمر. وما لم يتم تنفيذ تدابير تخفيف تغير المناخ وتدابير التكيّف، فإن قيمة البحر الأحمر كمسار عبور ومصدر لكسب العيش قد تصبح عرضة للخطر. ويمكن أن يؤدي تآكل السواحل وارتفاع المياه والتحمض والأحداث المناخية إلى تعقيد الملاحة في المجرى المائي، وأن يضرّ بفعالية نظام موانئها، بينما يشجع الشركات على التحرك في اتجاه القطب الشمالي. فضلاً عن ذلك، فإن تغير المناخ من الممكن أن يعجّل بالفقر في بعض دول منطقة البحر الأحمر، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع مستويات الهجرة، وانعدام الأمن الغذائي، والبطالة، وبالتالي تعزيز عدم الاستقرار.

وتتباين دول منطقة البحر الأحمر على نطاق واسع من حيث الجغرافيا والعوامل الديموغرافية ورأس المال البشري والموارد الطبيعية. على سبيل المثال، بلغ عدد سكان مصر 106 مليون نسمة في عام 2022، في حين لم يتجاوز عدد سكان إريتريا 3.6 مليون نسمة. وهناك أيضاً فوارق اقتصادية كبيرة. على سبيل المثال، بلغ الناتج المحلي الإجمالي في المملكة العربية السعودية في عام 2021 نحو 833.5 مليار دولار⁶، في حين بلغ الناتج المحلي الإجمالي في جيبوتي أقل من 3.4 مليار دولار.⁷ وتحتل اليمن المرتبة 178 من بين 189 دولة على مؤشر التنمية البشرية،⁸ وحتى مارس 2022، يحتاج نحو 17.4 مليون شخص في البلاد إلى مساعدات غذائية.⁹ وباستثناء اليمن، تواجه دول البحر الأحمر الغربية تحديات اقتصادية أكثر من تلك التي تواجهها دول الشرق، وتميل إلى أن تكون أكثر عرضة لفترات الفقر. كما شهدت الدول الغربية فترات مطولة من عدم الاستقرار تُعزى إلى عوامل اقتصادية ولكنها تُعزى أيضاً إلى التركة التي خلفها الاستعمار.

تشارك العديد من دول منطقة جنوب دول منطقة البحر الأحمر في منظمات إقليمية أخرى ولا تشكل بالضرورة جزءاً من مجموعات مرتبطة بالبحر الأحمر. على سبيل المثال، المملكة العربية السعودية أكثر توجها نحو الخليج العربي وتلعب دوراً رائداً في مجلس التعاون الخليجي. وعلى نحو منفصل، تشكل مصر جزءاً من العالم العربي الأوسع نطاقاً، ولكنها تشارك أيضا بشكل كبير في الروابط المائية بين مصر والسودان وإثيوبيا، القائمة على نهر النيل وروافده.   

تشارك العديد من دول منطقة جنوب دول منطقة البحر الأحمر في منظمات إقليمية أخرى ولا تشكل بالضرورة جزءاً من مجموعات مرتبطة بالبحر الأحمر. على سبيل المثال، المملكة العربية السعودية أكثر توجها نحو الخليج العربي وتلعب دوراً رائداً في مجلس التعاون الخليجي. وعلى نحو منفصل، تشكل مصر جزءاً من العالم العربي الأوسع نطاقاً، ولكنها تشارك أيضا بشكل كبير في الروابط المائية بين مصر والسودان وإثيوبيا، القائمة على نهر النيل وروافده.لقد تعطلت بيئة الاقتصاد والأمن في منطقة جنوب دول منطقة البحر الأحمر بسبب الحرب في أوكرانيا، الأمر الذي أظهر التأثير الواسع النطاق للصراع على الطاقة العالمية والتجارة والأمن الغذائي. وقد أدت الحرب، بالإضافة إلى التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، إلى إعادة تقييم التحالفات الاستراتيجية، سواء على المستوى العالمي أو داخل منطقة البحر الأحمر نفسها. أما اللاعبين الإقليميين، بما في ذلك المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا، فهم معنيون بشكل عميق بأمن البحر الأحمر، وكثيراً ما تستعرض القوة في المنطقة لحماية مصالحها. على سبيل المثال، زادت المملكة العربية السعودية من تركيزها على الشواطئ الغربية للبحر الأحمر بعد أن زاد الحوثيون من هجماتهم التي شنّوها في الممر المائي وحوله. كما أدت المنافسة بين دول المنطقة إلى تحويل دول منطقة البحر الأحمر، إلى دول تقدم الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي والتجاري والعسكري والإنمائي إلى الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية على حد سواء.

زاد الانتباه لأهمية مجموعة دول منطقة البحر الأحمر بالنسبة للأمن العالمي واستقرار السوق لأن غزو روسيا والتحولات في التحالفات الجيوسياسية تساعد في دفع التضخم إلى الارتفاع وزيادة صعوبة قضايا سلسلة التوريد التي سببها وباء كوفيد-19 جزئياً. يمكن أن يساعد أمان وازدهار منطقة البحر الأحمر في تعزيز استقرار الأسواق العالمية وضمان الأمن الغذائي وخفض تكاليف المعيشة في جميع أنحاء العالم. ويتعين على المملكة العربية السعودية، من خلال مجموعة دول منطقة البحر الأحمر أن تقود الجهود الرامية إلى ضمان قدرة مجموعة دول منطقة البحر الأحمر على الاستفادة من موقعها الفريد في العالم وتحقيق النجاح الاقتصادي لشعوبها.

3. تعزيز أمن دول منطقة البحر الأحمر لتحفيز النمو الاقتصادي

ونظرا لأهمية البحر الأحمر بالنسبة للتجارة العالمية وأنشطة الاستيراد والتصدير التي تمارسها الدول بشكل إفرادي، فإن القوى الكبرى بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، فضلاً عن الدول الإقليمية، تشترك في مصلحة مشتركة في تأمين سلامة وأمن الحوض البحري. ومن خلال التنسيق الذي تقوده السعودية في مجموعة دول منطقة البحر الأحمر، تستطيع مجموعة دول منطقة البحر الأحمر أن تعمل معاً للمساعدة في الحفاظ على الأمن في الممر المائي وتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر من القوى العالمية.

أنشطة الموانئ في منطقة البحر الأحمر

أنشطة الموانئ في منطقة البحر الأحمر

من حيث الجوهر، يتمحور الأمن البحري حول حماية الحدود وحرية الملاحة. تتسم دول منطقة البحر الأحمر بأهمية خاصة. ويتم تنفيذ حوالي 90% من التجارة العالمية بواسطة الشحن البحري عبر المحيطات، وقد بلغ حجم الكميات في عام 2020 10.65 بليون طناً، وهو أقل قليلاً مما كان متوقعاً من قبل بسبب الوباء. ومن المتوقع أن ينتعش النمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 2.4% في الفترة من 2022 إلى 2026.

ومن المتوقع أن ينتعش النمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 2.4% في الفترة من 2022 إلى 2026.

ووفقاً لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، من المتوقع أن يتضاعف حجم التجارة البحرية إلى ثلاثة أمثاله بحلول عام 2050¹⁰ نظراً للتوسع السريع في صناعة التجارة الإلكترونية والنمو السكاني العالمي. وسوف يظل ضمان الوصول إلى المجاري المائية الحساسة يشكل أولوية قصوى بالنسبة للدول وسمة مركزية من سمات استراتيجيات الأمن الوطني. وقد دفع هذا العديد من الدول إلى إبراز قوتها في مجموعة دول منطقة البحر الأحمر من خلال مجموعة متنوعة من الوسائل: إنشاء قواعد بحرية وعسكرية، وتقديم الدعم الدبلوماسي والسياسي، وتوفير مساعدات الموازنة، والاستثمار في البنية الأساسية، والتدريب، والمساعدات الإنمائية.

ولا يقتصر الأمن البحري على حماية الممرات المائية، إذ يشمل أيضاً الحماية من طائفة أوسع من التهديدات، مثل الصراعات بين الدول، والقرصنة، والهجرة غير القانونية، والاتجار بالبشر، وتهريب الأسلحة والمخدرات، والإرهاب، والصيد غير المشروع والكوارث البيئية. والواقع أن الجهود المبذولة في مجال الأمن البحري، على مدى العقدين الماضيين، كانت موجهة بشكل متزايد نحو معالجة آثار تغير المناخ. وفي حالات كثيرة – على سبيل المثال، استجابة البحرية الأمريكية الإنسانية للإعصار ماثيو في هايتي في عام 2016 – تُنشر القوات البحرية كأول المستجيبين للتعامل مع الكوارث الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية الشديدة الأخرى.

إن التهديدات الأمنية البحرية الرئيسية التي تواجه مجموعة دول منطقة البحر الأحمر تنبع من عدم الاستقرار في الدول الساحلية. وتأتي تهديدات أخرى من أعمال جهات فاعلة غير حكومية ودول معادية تسعى إلى تهديد النقل البحري التجاري والسفن البحرية والموانئ وغير ذلك من الهياكل الأساسية الساحلية. وقد ساهمت المؤسسات المتعددة الأطراف، بما فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، حتى الآن بتوفير أكثر من 40,000 فرد عسكري في عمليات حفظ السلام التي تدعم الاستقرار في منطقة جنوب أفريقيا والقرن الأفريقي. كما أنشأت كل دولة وجوداً عسكرياً في منطقة جنوب دول منطقة البحر الأحمر لتأمين مصالحها الخاصة ولضمان التدفق الآمن للسلع الأساسية عبر نقاط العبور في البحر الأحمر.

وقد اكتسب البحر الأحمر أهمية أكبر لأمن الطاقة الآسيوي والأوروبي بعد أن فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على موسكو بشأن حرب أوكرانيا، مما حد بشكل كبير جداً من وصول الأوروبيين إلى السلع الروسية. وليس من الواضح ما إذا كانت الحرب والعقوبات سوف تؤدي إلى تحول بنيوي داخل أسواق السلع الأساسية. ولكن في ظل التوقعات المتشائمة لمفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا، فمن المرجح أن تستمر بيئة السوق الحالية لسنوات عديدة. وهذا يؤكد على الأهمية الاستراتيجية المتزايدة التي تمثلها دول منطقة البحر الأحمر بالنسبة للقوى العالمية الكبرى. كما يبرز الحاجة الملحة إلى قيام دول منطقة البحر الأحمر بوضع ترتيب أمني تعاوني لتأمين المرور الآمن للسلع بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. فيما يلي تفاصيل عن البيئة الأمنية الإستراتيجية المحيطة بدول منطقة البحر الأحمر، وكيفية عمل هذه الدول معاً لتأمين المنطقة من أجل الازدهار.

المنافسة العالمية على الطاقة يمكن أن تساعد في جذب استثمارات جديدة

وقد جذبت نقاط العبور التجارية والأمنية الرئيسية مثل باب المندب وقناة السويس اهتماماً عالمياً متزايداً حيث تسعى كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى توسيع أو تعديل آفاقها الاقتصادية والأمنية والسياسية. وبينما تعيد واشنطن تقويم وجودها الأمني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اتخذت كل من بكين وموسكو خطوات لتعزيز العلاقات في المنطقة.

تأثير الحرب الروسية في أوكرانيا على طرق التجارة الرئيسية بالمنطقة

تأثير الحرب الروسية في أوكرانيا على طرق التجارة الرئيسية بالمنطقة

تزداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين مع ظهور نظام دولي جديد. تعتمد قدرة الصين على الوصول إلى قاعدة الموارد الطبيعية في أفريقيا على روابط بحرية بالقارة عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تجعل من ذلك منطقة ذات أولوية سياسية، فقد عينت واشنطن مبعوثين أمريكيين خاصين إلى القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة وعززت من نطاق عمل قيادتها العسكرية في الشرق الأوسط وأفريقيا، مما يظهر اهتمامها المتزايد بدول منطقة البحر الأحمر.

تشكل منطقة جنوب أفريقيا عنصراً أساسياً في طريق الحرير البحري في الصين، والذي يقع ضمن مبادرة الحزام والطريق التي قامت بها¹¹، ولقد سعت بكين بنشاط إلى إنشاء تواجد عسكري في المنطقة. وانشأت الصين أول قاعدة عسكرية في جيبوتي في عام 2017. كما بذلت جهوداً من أجل وضع قدم لها في تنمية اقتصادات دول منطقة جنوب أفريقياً واقتصاداتها، بما فيها المملكة العربية السعودية ومصر والسودان وجيبوتي وإثيوبيا. وبواسطة توفير القروض للبنية الأساسية الحيوية في قطاعات التصنيع والنقل والبناء والطاقة وغيرها من القطاعات، فقد سعت بكين إلى إنشاء نظام تجاري مستقل يعمل على الحد من الاعتماد على النظام الاقتصادي الغربي، وتمكين النمو في الاقتصاد الصيني وضمان بقاء الصين قوة عالمية كبرى.

القواعد العسكرية والموانئ التجارية بالبحر الأحم

القواعد العسكرية والموانئ التجارية بالبحر الأحم

حتى الآن، كانت الصين راضية بالدور الذي تلعبه الولايات المتحدة كضامن للأمن في منطقة البحر الأحمر، مستفيدة من الاستقرار الذي جلبه الوجود العسكري لواشنطن والتحالفات السياسية من دون الحاجة إلى استخدام مواردها الخاصة. ولكن في حين سعى كل من الدولتين إلى حماية حرية الملاحة والأمن في البحر الأحمر، فقد ركزا وجودهما الإقليمي على نحو متزايد على أخذ الاحتياطات ضد محاولات كل منهما الأخرى لاكتساب النفوذ في الشرق الأوسط وأفريقيا.

بدورها، تعيدُ واشنطن تقييم تدخّلها في الشرق الأوسط، وذلك بتجنّب الوجود الطاغي الذي تعزّز أثناء الحرب العالميّة على الإرهاب والاستعاضة عنه بتشجيع حلفاء إقليميين على مشاركة المسؤولية الجماعية في الحفاظ على أمن المنطقة. تاريخياً، لعب الخليج دوراً أكبر في حسابات واشنطن الأمنية، وذلك باعتبار ما كان لنفط الخليج من أهمية للسوق الأمريكية ذات يوم. منذ ذلك الحين ، حققت الولايات المتحدة عمليًا الاكتفاء الذاتي من الطاقة ، على الرغم من أن السعر لا يزال حساسًا لأسواق الطاقة العالمية ، وبدأت بتغيير رؤيتها حول الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر، واتخذت خطوات لضمان إشرافها المناسب من دون استخدام موارد عسكرية كبيرة. لقد أسست فرقة عمل متعددة الجنسيات جديدة في إبريل من العام 2022 وهي فرقة العمل المشتركة 153 (CTF). فرقة العمل هذه متممة لفرق العمل السابقة (150 و151 و152) وذلك عن طريق تقسيم المنطقة الجغرافية الواقعة ضمن المدى الأمني لفرق العمل المشتركة بما يتيح لفرقة عمل مخصصة تغطية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

في حين أنّ التركيز الأساسي لفرق العمل المشتركة هو تهريب الأسلحة الإيرانية، وبالتحديد لحركة الحوثيين في اليمن، فإنّ نوايا روسيا المتعلقة بمنطقة البحر الأحمر ستكون وبلا شك محط اهتمام للولايات المتحدة. لطالما أبدت الولايات المتحدة قلقاً حيال النشاطات الروسية في منطقة البحر الأحمر. وقدّمت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية لكينيا والصومال في السبعينيات لمواجهة الأطماع السوفييتية في أفريقيا. ولكن أصبح التأثير الروسي ضرورةً ملحّةً من جديد، خاصةً وأنّ موسكو قد عزّزت وجودها في منطقة المتوسط عن طريق دعمها العسكري للحكومة السورية.

وقد ارتأت روسيا تأسيس قاعدتها البحرية الخاصة في السودان، لكنّ تلك العملية سارت ببطءٍ شديدٍ منذ أن وقّعت حكومة عمرالبشير الاتفاقية مع موسكو في العام 2017. وفقاً لبنود تلك الاتفاقية، ستحظى روسيا بالامتياز في أحد المواقعٍ في بور سودان. لكنّ حكومة الخرطوم الانتقالية علّقت تلك الاتفاقية في العام 2019. وعاد احتمال فتح قاعدة كتلك إلى الساحة من جديد في الأشهر الأخيرة بعد أن استولى المجلس العسكري السوداني على السلطة في أكتوبر من العام 2021، وقد شجبت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الفاعلة عالمياً هذا الفعل، مما أثّر على ميزانيات المساعدات الخارجية للسودان. خلال زيارته لموسكو باكراً من العام الحالي، أعرب نائب رئيس المجلس العسكري السوداني، الجنرال محمد حمدان داغالو، عن رغبته في السماح لروسيا – أو أي دولة أخرى – بإنشاء قاعدة بحرية على الشواطئ السودانية. إذا أعيد تفعيل الاتفاقية، فستحظى موسكو بقاعدتها البحرية الأولى في أفريقيا.¹²

إنّ الوصول إلى البحر الأحمر بالنسبة لروسيا مهمٌّ للغاية باعتباره الوصلة البحرية بين أوروبا وشرقها الأقصى على مدار العام.¹³ عدا عن كونه أقصر الطرق البحرية بين موانئها الأوروبية على البحر الأسود والمحيط الهندي، يشكّل البحر الأحمر أيضاً أسرع طريقٍ يمكن لموسكو عبره أن تدعم قواعدها العسكرية في المنطقة. إنّ تدفق الأموال والأسلحة الروسية إلى شرق أفريقيا، بالتزامن مع عمليات مجموعة فاغنر، وهي شركة أمن روسية شبه حكومية، في دولٍ مثل جمهورية أفريقيا الوسطى، يوضّح أطماع موسكو في جعل أفريقيا شريكاً أساسياً في محاولتها لإعادة رسم النظام العالمي وموازنة التأثير المتزايد لدول أخرى، أي الصين بالتحديد.

لكن، قد يعلّق السودان إمكانية السماح لروسيا بالتواجد في هذه المنطقة الحساسة استراتيجياً كي يشجّع الولايات المتحدة والآخرين على الانخراط مع قيادتها العسكرية الجديدة وبالتالي الاعتراف بها رسمياً، ومواصلة تمويل المساعدات وإنهاء عزلة السودان عالمياً. إنّ استعداد السودان لتلقي الأموال وإقامة علاقات وثيقة مع صاحب العرض الأفضل – وهو نهجٌ سائدٌ في باقي دول البحر الأحمر – سيقوّض أمن المنطقة. تشير التقارير الأخيرة إلى أنّ المؤسسات السياسية الداخلية في السودان قد أوقفت المحادثات مع روسيا مجدداً. يبدو أنّ احتمال إقصاء الغرب وباقي الحلفاء الرئيسيين الآخرين، بمن فيهم مصر، قد يكون مخاطرةً أكبر من أن يُسمح بها في المناخ السياسي الحالي.¹⁴

تبذل بكين وموسكو جهوداً لتعزيز علاقاتهما في منطقة البحر الأحمر وتقوم واشنطن بإجراءات جديدة للحفاظ على سيطرتها، وقد تسبب ذلك بتعقيد في المشهد الأمني للمنطقة. يمكن لدول منطقة البحر الأحمر أن تعمل سوية على إيجاد توازن في هذه العلاقات المختلفة وبالتالي الحفاظ على أمن المنطقة والحصول في نفس الوقت على المنافع المادية من وجود القوى العالمية في المنطقة.

القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية

القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية

دول المنطقة تعمق مشاركتها مع تغير مواقف الولايات المتحدة

لطالما كانت التطلعات الأمنية لدول منطقة في البحر الأحمر تابعة لدعم واشنطن الأمني لبعض دول البحر الأحمر. لقد أصبحت العلاقات مع واشنطن ذات أهمية متزايدة بالنسبة لاستراتيجيات الأمن الوطني لحكومات المنطقة، تحديداً عقب الاجتياح الروسي لأوكرانيا. بعد أن بدّلت واشنطن موقفها الأمني في منطقة البحر الأحمر، ارتأت القوى الإقليمية مثل الإمارات العربية المتحدة وتركيا، وإلى حدٍ ما مصر، أن تحظى بنفوذٍ في المنطقة عن طريق تعزيز وجودها العسكري أو التخطيط لاستثمارات جديدة. يمكن لدول منطقة البحر الأحمر أن تستفيد من هذا الاهتمام الإقليمي الجديد بأن تشجّع الحكومات والشركات الكبرى على تعزيز استثماراتها في المنطقة وبأن تقدم لها إطاراً يمكنها العمل من خلاله.

أظهرت واشنطن رغبتها في مشاركة مسؤولية الأمن في منطقة البحر الأحمر مع الدول الإقليمية عن طريق تطوير إطار إقليمي. لا يعني هذا أنّ الولايات المتحدة ستخلي مكانها كعنصرٍ أساسي في أمن المنطقة، بل ستوجّه وتدير وتساند ما يقوم به الشركاء الإقليميون. في الحقيقة، حتّى قبل اندلاع الصراع الروسي الأوكراني، كانت إدارة الرئيس جو بايدن تحرّك الشرق الأوسط نحو تعاونٍ أوثق على المستوى الأمني.

تشكّل فرقة العمل المشترك 153 مثالاً على سياسة واشنطن المتبعة. ففي حين أنّها تكشف عن رغبة الولايات المتحدة في مراقبة وتأمين مياه البحر الأحمر، إلا أنها تعدّ أيضاً مؤشراً واضحاً على هدف الولايات المتحدة الأكبر بخصوص الأمن الإقليمي. تأمل واشنطن أنّ العمل بتنسيقٍ أكبر مع الأساطيل البحرية الإقليمية سيتيح لها تخفيف دورها في تقديم الأمني مع الاستمرار في مراقبة منطقة البحر الأحمر بطرق أكثر كفاءة مثل مشاركة المعلومات الاستخبارية وتحليلها.

أتاح تغيير الموقف الأمريكي فرصاً للمحادثات الثنائية والمتعددة الأطراف في المنطقة حول الحد من النفوذ الإيراني، الأمر الذي لم يكن من الممكن تخيله سابقاً. على خلفية الأعمال التخريبية المستمرة لإيران والحوثيين في منطقة البحر الأحمر، باشرت دول الشرق الأوسط سلسلةً من إجراءات خفض التصعيد. نشهد الآن تحسناً تدريجياً في العلاقات بين دول الخليج العربية وتركيا وقطر. كما أنّ عملية التطبيع، وخاصةً اتفاقيات أبراهام الموقعة بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين وإسرائيل، وكواليس قمة النقب في إسرائيل في مارس من العام 2022، تحمل جميعها أملاً في إطار أوثق للتعاون الأمني على امتداد الخليج والبحر الأحمر. سبق وأن أدّت هذه التغيرات إلى فرصٍ إضافيةٍ للتعاون العسكريّ، مثل المناورات العسكرية المشتركة، وتبادل التقنيات والمعدّات، واتفاقيات الاستثمار والدفاع. يمنحنا ذلك الأمل بأنّه يمكن لدول المنطقة التعاون في سبيل مصالحها المشتركة في منطقة البحر الأحمر، مما يتيح لها المساهمة في استقرار المنطقة ودعم تنميتها، بالإضافة إلى إظهار مقدرتها أمام القوى العظمى على إدارة الشؤون البحرية الأمنية لمنطقة البحر الأحمر، وذلك بجعل الطرق البحرية بديلاً آمناً وعمليّاً للطرق القطبية الشمالية.

تمتد الأهميّة الاقتصادية لمياه البحر لتتجاوز الدول المحاذية لها إلى منطقة أوسع. فهي المنفذ البحري الوحيد للأردن وطريق التصدير الرئيسي للبترول المُسْتَخْرَج من الدول العربية. كما أنّ طرق البحر الأحمر تحمل كميات متزايدة من البضائع الإسرائيلية على إثر محاولات تل أبيب تعزيز تجارتها مع الاقتصاد الآسيوي. إذا أخذنا بعين الاعتبار العداء بين إسرائيل وإيران وممارسات النفوذ الإيراني عبر توكيل مجموعات في منطقة البحر الأحمر، فإنّ تامين هذه الصادرات سيشكل أهمية قصوى بالنسبة لإسرائيل. ويكمن جزء من دور قاعدة إيلات البحرية الإسرائيلية على الجهة الشمالية من البحر الأحمر في تأمين الصادرات. وافقت إسرائيل في وليو من العام 2022 على نقل سيادة جزر تيران وصنافيرمن مصر إلى السعودية –وتقع في مضائق تيران التي تشكّل منفذ إسرائيل الوحيد من خليج العقبة إلى البحر الأحمر. تشير تلك النقلة إلى تغير في البيئة الأمنية الإقليمية.

تشكّل قناة السويس بالنسبة لمصر المورد الأكبر والأفضل للدخل القومي والقطع الأجنبي، إذ سجلّت الأرباح رقماً قياسياً وصل إلى 7 مليارات دولار في السنة المالية للعام 2022 حتى الثلاثين من يونيو بزيادة مقدارها 20.7% عن السنة السابقة،¹⁵ ويعود ذلك جزئياً إلى الزيادة على رسوم العبور المطبقة لتعويض آثار الحرب في أوكرانيا. سيستخدم جزء من هذه الأرباح لتمويل استثمار جديد تديره هيئة قناة السويس من أجل حماية القناة من تقلّبات التجارة العالمية ومنع الحوادث التي قد تؤدي إلى تخفيف أو تعطيل قدرتها التشغيلية.¹⁶

يساهم خلق هذه الثروة التمويلية الجديدة في استمرار سياسة الرئيس عبد الفتاح السيسي الاستباقية في زيادة دخل القناة إلى الحدّ الأقصى مع تعزيز ميزاتها التنافسية مقابل الطرق البديلة. وهي السياسة نفسها التي قادت الحكومة إلى الاقتراض من الشعب – بفوائد غير مسبوقة – لتمويل التوسيع الأول للقناة في العام 2014. مؤخراَ، قامت شركة مايرسك – عملاق الشحن الدانماركي – بالاستثمار بمبلغ 500 مليون دولار أمريكي في المحطة الشرقية من بور سعيد، وسيركز جزءٌ من هذا الاستثمار على جعل هذه المحطة صديقة للبيئة بحلول العام 2030، بالتزامن مع الخطط الأوسع لهيئة قناة السويس لجعل الممر المائي بكامله “أخضراً” عن طريق الطاقة المتجددة.¹⁷

نظراً لأهمية قناة السويس للاقتصاد المصري، يمكن فهم حرص القاهرة على الحفاظ على أهمية وجاذبية قناة السويس، ويشكّل الحصول على الدعم في تأمين المياه المحيطة عاملاً أساسياً في تحقيق ذلك الهدف. لكنّ القاهرة تريد في الوقت نفسه أن تحافظ على دورها الراعي للقناة وتحرص تحديداً على الحد من تدخل الدول غير المحاذية مع حرصها على استقطاب الاستثمارات في المنطقة الحرة لقناة السويس. تسعى مصر أيضاً إلى الحد من النفوذ الإثيوبي على ضوء التوترات الثنائية الحالية حول مشروع سد النهضة الإثيوبية العظيم.

أسست الإمارات العربية المتحدة أيضاً وجوداً استارتيجياً لها في البحر الأحمر وعلى طوله عن طريق إقامة تحالفات سياسية وبناء موانٍ وقواعد بحرية. في حين تتشارك كل من أبو ظبي والسعودية نفس المصالح (أي الأمن الغذائي والهجرة والوصول إلى أسواق جديدة وموازنة النفوذين الإيراني والتركي)، يبدو أنّ أبو ظبي قد أولت الأهمية لاستقرارمنطقة البحر الأحمر في محاولة للتحضير والاستفادة من النظام العالمي الجديد الذي تقوده الصين. لقد ارتأت الإمارات العربية المتحدة أن تجعل من منطقة البحر الأحمر طريقها الرئيسي للشحن التجاري وهي تعمل على حماية مصالحها الاقتصادية هناك. ظهرت تقاريرٌ في يونيو من العام 2022 عن اتفاقية بين أبو ظبي والخرطوم ستبني الدولة الخليجية بموجبها ميناءً جديداً على البحر الأحمر في السودان كجزءٍ من الحزمة البالغة ستة مليارات دولار والتي تتضمن انشاء منطقة حرة تجارية ومشروعا زراعياً حيوياً ووديعة ضخمة في مصرف السودان المركزي.¹⁸

ارتأت تركيا أيضاً تنمية نفوذها في أفريقيا في السنوات الأخيرة. لطالما كان النفوذ في تلك القارة من العناصر الرئيسية لجدول أعمال السياسة الخارجية لحزب الرئيس رجب طيب أردوغان. عن طريق المشاريع الإنسانية والإنمائية، وروابط الاقتصاد والأعمال، والاتصالات الدبلوماسية والعسكرية، أسست تركيا نموذجاً للنفوذ في أفريقيا يختلف عن النموذج الأمريكي المتمحور حول الأمن وعن النموذج الصيني المبني على أسس اقتصادية بحتة.¹⁹ حتى الآن، وطّدت تركيا علاقات قوية مع السودان وحافظت عليها على الرغم من مختلف العواصف السياسية التي ضربت الخرطوم على مدى السنوات الأخيرة.

قامت تركيا، كما قام العديدون غيرها، بإغراء القادة السودانيين بالاستثمارات في الصحة والتعليم وبصفقات لبناء مطار جديد وصوامع للحبوب ومحطات لتوليد الطاقة ومنطقة للتجارة الحرة في العاصمة والمطار الرئيسي. في عام 2017، سمح البشير، الرئيس السوداني حينئذٍ، لأنقرة بالاستحواذ المؤقت على جزيرة سواكن الشمالية الشرقية التي تم الاتفاق على بناء ميناءٍ جديد فيها. سيقوم الميناء، ضمن عدة أمور أخرى، بمنح تركيا فائدة مالية من السياحة الدينية عن طريق توفير طريق إلى مكة لمسلمي أفريقيا بالإضافة إلى ميناء بحري.²⁰ أثارت هذه التطورات قلق السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة على إثر علاقات تركيا الوثيقة بقطر ودعمها للإخوان المسلمين. إن رغبة تركيا في استعراض قوتها بوجود موطئٍ قدم لها في البحر الأحمر تضيف ديناميكية معقدة لمنطقة هي في الأصل مزدحمة ومشحونة أكثر من اللازم. لكنّ التقارب البطيء الجاري بين دول الخليج وتركيا قد يمكّن تعاوناً بنّاء مشابهاً لدور تركيا الاستباقي والمفيد كشريك في محاربة القرصنة في خليج عدن.

بينما يحاول اللاعبون الإقليميون الحصول على المزيد من النفوذ في المنطقة، يجب على دول منطقة البحر الأحمر أن تتعاون لتوجيه هذه الاهتمامات نحو تطوير أشمل واستثمار جديد. تستطيع الرياض لعب دور أساسي في رعاية هذه العملية بالنظر إلى علاقاتها الوثيقة مع القوى العالمية والإقليمية.

4. غزو روسيا يسبب اضطرابات ، ويقدم فرصا

ازدادت أهمية البحر الأحمر بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا. أدت العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا بالإضافة إلى غيرها من العراقيل للصادرات الروسية والأوكرانية والقمح بشكل أساسي، إلى نقص عالمي في التوريد وتضخم مستفحل. ستعتمد محاولات أوروبا لتعويض خسارة النفط والغاز الروسيين بشكلٍ كبير على مدى قدرتها على تأمين كميات كافية من المنتجات النفطية الخام والمصّفاة والغاز الطبيعي المسال عبر باب المندب وقناة السويس. يسلط هذا الضوء على أهمية توحيد قوى دول البحر الأحمر في سبيل تشجيع التدفق التجاري عبر ممراته وتأمين الاستثمارات في المنطقة المحيطة.

تصدر روسيا وأوكرانيا ما يقرب من ثلث صادرات القمح عالميا وربع إنتاج الشعير.

تصدر روسيا وأوكرانيا ما يقرب من ثلث صادرات القمح عالميا وربع إنتاج الشعير.

إنّ دور منطقة البحر الأحمر كعقدة عبور أساسية لتوريدات الطاقة العالمية يصبح أكثر أهمية في سياق التطورات الجيوسياسية الراهنة والسوق العالمية للطاقة. أصبح تأمين التوريدات من منتجي النفط والغاز في الخليج الآن أكثر أهمية لكل من الولايات المتحدة وأوروبا إذا أخذنا بعين الاعتبار مضاعفات الاجتياح الروسي على توافر المواد الهيدروكربونية. وفقاً لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة، فإنه بعد التنفيذ المتوقع للعقوبات الأوروبية على النفط الروسي في ديسمبر من العام 2022 ومع بداية عام 2023²¹ سيتوقف ما يعادل مليوني برميل يومياً من إنتاج النفط الخام – وبالتالي خارج السوق للمستهلكين الغير المقيدين بالعقوبات بمن فيهم الصين والهند. نتيجة لذلك، ستكون المنافسة على النفط شرسة خلال الشتاء في نصف الكرة الشمالي. كما أنّه من الوارد جدا أنّ الأسعار الباهظة للغاز الطبيعي ستجبر الدول على الانتقال من الغاز إلى النفط لتلبية احتياجاتها من الطاقة نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة الكهربائية، مما سيزيد من الضغط على أسواق النفط.

سيستمر تصاعد أسعار النفط باستجابة الأسواق لمجموعة من المؤشرات، بما فيها تبعات جائحة كورونا كوفيد-19 وخطر الركود الاقتصادي العالمي والمفاوضات المناخية وتغيير أنماط استثمار المواد الهيدروكربونية والتأثيرات الجيوسياسية. أولاً، إنّ نقص التوريدات المتفاقم نتيجة الاضطرابات في الدول المنتجة الأساسية مثل ليبيا والعراق سابقاً وروسيا الآن قد سبب ارتفاعا كبيراً في أسعار السلع مما أدى إلى إنهاك خطوات التعافي الاقتصادي العالمي. ثانياً، سبب الكشف عن أن المخزون الاحتياطي للسعودية أكثر تحفظاً مما اعتقده أساساً معظم صانعي السياسات الغربيين تسارعاً في اندفاعهم نحو الطاقات المتجددة، مقللين بذلك استثماراتهم في قطاع المواد الهيدروكربونية.²² ثالثاً، سوف تسبب الصدمات الجيوسياسية – فشل المفاوضات النووية مع إيران وتزايد خطر هجمات المجموعات الإيرانية على منطقة البحر الأحمر –خطراً أكبر يُضاف إلى كلفة النفط الخام. ستجد أدناه توضيحاً للقضايا الراهنة وكيف يمكن لدول منطقة البحر الأحمر أن تخفف المخاطر.

مع تباطؤ النمو ، يمكن أن تستفيد دول منطقة البحر الأحمر من تحولات سلاسل التوريد العالمية 

تسبب الاجتياح الروسي لأوكرانيا في تقلبات السوق على نطاق واسع وتفاقم اضطرابات سلاسل الإمداد التي سببها الوباء، الأمر الذي تسبب في معاناة العديد من اقتصادات دول منطقة البحر الأحمر من التضخم والتباطؤ الاقتصادي. لكن يمكن لهذه التحديات العالمية أن تقدم فوائد محتملة لدول منطقة البحر الأحمر في شكل استثمار جديد، حيث تسعى الشركات إلى تعزيز الإنتاج وتجنب اضطرابات سلاسل الإمداد من خلال التركيز على الإنتاج الإقليمي.

إنه لمن المفيد البدء ببعض المعلومات العامة عن سوق السلع العالمية، تليها نظرة عن كيفية أداء بعض اقتصادات دول منطقة البحر الأحمر. فبعد أن وصلت السلع إلى مستويات قياسية في مارس 2022، تراجعت إلى أدنى مستوى لها خلال 18 شهرًا حتى سبتمبر 2022 وسط مخاوف متزايدة من الركود. سجلت التدفقات النقدية التراكمية رقماً موسمياً بلغ 149 مليار دولار أمريكي حتى تاريخه مقارنة بـما تم تحقيقه خلال نفس الفترة من عام 2020 حيث بلغ 122 مليار دولار.²³ ومع زيادة التضخم في معظم أنحاء العالم، يشير التباطؤ في النمو إلى جانب معدلات البطالة المرتفعة – حيث من المتوقع أن تظل أعلى من مستوياتها قبل الوباء في عام 2022 – إلى خطر حدوث كساد تضخمي على الاقتصاد العالمي. فمن المتوقع بين عامي2021 و2022 أن ينخفض النمو العالمي في الاقتصادات المتقدمة من %5.7 إلى %2.9، مع توقع أن تشهد الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية ركودًا أكثر حدة.²⁴ تعاني دول منطقة البحر الأحمر من الانكماش الاقتصادي العالمي والتضخم بشكل مختلف. وتتراوح معدلات التضخم الأخيرة بين %2.7 في السعودية، و%11.6 في جيبوتي، و%13.6 في مصر، و%149 في السودان.

تعرضت سلاسل الإمداد العالمية أيضًا لضغوط هائلة، حيث أن تواصل عمليات الإغلاق المفاجئة في الصين يعطل التصنيع والشحن والخدمات اللوجستية. يتردد صدى عمليات الإغلاق في جميع أنحاء الاقتصاد العالمي حيث تواصل الصين اتباع سياسة “صفر كوفيد”، ووفقاً لذلك فإنها تقوم بالإغلاق إذا تم اكتشاف حالة واحدة فقط في مدينة معينة. الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبية والآسيوية – وشركاتها الكبرى – إلى إعادة النظر في اعتمادها على الموردين البعيدين وسلاسل الإمداد الممتدة.

ومن النتائج المحتملة لهذا التحول في سلاسل الإمداد زيادة التركيز على الإنتاج الإقليمي وإعادة توجيه تدفقات الاستثمار نحو الاقتصادات الإقليمية، بما في ذلك دول منطقة البحر الأحمر. ثانيًا، مع اشتداد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، هناك خطر حقيقي من أن يتجه الاقتصاد الذي تحكمه العولمة نحو التجزئة – ويعزز التحول نحو الاستثمار في الاقتصادات الإقليمية. ثالثًا، من المرجح أن تؤدي الأنظمة الجديدة للمنظمة البحرية الدولية (IMO) في تحسين مواءمة عمليات الشحن مع أهداف إزالة الرواسب الفحمية إلى استبدال السفن، مما يقلل من رأس المال المتاح لتوسيع الأساطيل اللازمة لازدهار التجارة. نتيجة لذلك، سيعطي مشغلو الشحن الأولوية لطرق أقصر وأكثر ربحًا من الرحلات الطويلة، مما يضع ممرات الشحن في البحر الأحمر في منافسة مباشرة مع ممرات القطب الشمالي. ومن خلال العمل معًا عبر الدول المطلة على البحر الأحمر، يمكن لدول دول منطقة البحر الأحمر بقيادة المملكة العربية السعودية المساعدة في ضمان توجيه تحولات سلاسل الإمداد إلى مزيد من النشاط الاقتصادي في المنطقة.

يمكن معالجة نقص الغذاء من خلال التعاون مع دول منطقة البحر الأحمر 

مع استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد والتضخم، من المرجح أن يؤدي الركود التضخمي الناتج عن ذلك إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي داخل دول منطقة البحر الأحمر وفي جميع أنحاء العالم. كما سيسهم انخفاض تدفق الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا في حدوث ضائقة اقتصادية لها تداعيات واسعة على الأمن الغذائي. وعليه، ربما يواجه ثلث الدول الأوروبية نقصًا حادًا في الغاز الطبيعي، وتخاطر الشركات في جميع أنحاء القارة إما بالإغلاق أو تقييد عملياتها بشدة. ويشمل هذا الصناعات الأساسية المتعلقة بالأغذية والتي تستخدم الغاز الطبيعي لصنع منتجات كالأسمدة.

تعدّ صناعة الأسمدة من الصناعات الحيوية لإنتاج وتوفير أغذية منخفضة التكلفة، مما يساعد على زيادة إيرادات الإنتاج العالمي. لقد أحدث إنتاج الأسمدة على النطاق الصناعي ثورة في تقنيات الزراعة وزاد من الإمدادات الغذائية لمواجهة الطلب الهائل. ومع ذلك، فإن أزمة الطاقة الحالية تشكل تهديدًا كبيرًا لقدرة منتجي الأغذية على تلبية الطلب الحالي والمستقبلي. تشكل تكلفة الأسمدة 35٪ من نفقات استثمار المزارع القياسية في القمح والذرة،²⁵ إن النقص في الغاز الطبيعي الروسي المتاح في السوق، وما يرتبط به من ارتفاع في الأسعار، سيفاقم أزمة نقص القمح، الأمر الذي ينجم عنه زيادات مستمرة في أسعار جميع المنتجات الزراعية.

أبرزت أزمة الغذاء العالمية في 2007-2008 نقاط الضعف في النظم الغذائية العالمية والإقليمية، والعديد من العوامل السببية تنطبق على أزمة اليوم: ارتفاع أسعار النفط، وصدمات السلع الأساسية، والاضطرابات التجارية، والفشل في الاقتصادات الرئيسية المنتجة للمحاصيل. كذلك فقد لعب تغير المناخ والجفاف الشديد دورًا بارزاً في أزمة بين عامي 2007-2008، وهو تحذير شديد لما لم يأت بعد.

واردات القمح حسب المنشأ ، بالنسبة المئوية.

واردات القمح حسب المنشأ ، بالنسبة المئوية.

من المحتمل أن تتعرض المناطق التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي، بما في ذلك إفريقيا ودول منطقة البحر الأحمر، لأضرار بالغة. فقد شكّل انعدام الأمن الغذائي مشكلة كبيرة في المنطقة قبل انتشار الوباء. وفي عام 2020، كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي يعيش فيها %6 من سكان العالم، موطناً لحوالي %20 من الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي. تشكّل صادرات القمح الروسي والأوكراني %25 من الصادرات العالمية. ومع مساهمتها الآن إلى حد كبير خارج السوق، زادت أسعار القمح في الشرق الأوسط بنسبة صاعقة بلغت %40 من سعر الطن البالغ 300 دولار في عام 2021 لتبلغ ذروتها بمقدار 500 دولار للطن في ربيع 2022.²⁶ تتعرض المواد الغذائية الرئيسية كالأرز والقمح والعدس لخطر تعذر الوصول إليها من المجتمعات المفتقرة للغذاء في دول البحر الأحمر.²⁷

أصبحت مواجهة النقص المحتمل في القمح والحبوب ضرورة ملحة بشكل خاص نظرًا لاحتمال انتشار الجوع في العالم. توسطت تركيا في اتفاق تموز بين روسيا وأوكرانيا مما يخلق ممرًا آمنًا لسفن الحبوب القادمة من وإلى الموانئ الأوكرانية. لكن القمح الأوكراني لم يصل بعد إلى عملائه الاعتياديين في إفريقيا في أي مكان بشكل مقارب لمستوياته القياسية. وتنتهي الاتفاقية، التي يجب تجديدها كل أربعة أشهر، في تشرين الثاني – مما يزيد من خطر حدوث أزمة غذاء عالمية مرة أخرى، مع تداعيات كبيرة لدول منطقة البحر الأحمر.

على فرض استمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية على روسيا، ستحتاج دول منطقة البحر الأحمر إلى اتخاذ تدابير استباقية لضمان الأمن الغذائي لشعوبها. ونظراً لأن القمح يشكل جزءًا كبيرًا من استهلاك الغذاء في الشرق الأوسط، فإن نقص الحبوب يشكل هاجساً خاصاً لدول المنطقة. من خلال الدول المطلة على حوض البحر الأحمر، يمكن لدول منطقة البحر الأحمر إجراء حوار حول أفضل السبل لمواجهة تحديات الأمن الغذائي والتعويض عن نقص الإمدادات.

5. جعل دول منطقة البحر الأحمر قائدة الابتكار في مجال المناخ والطاقة

على الأرجح، سيزداد خطر العدوى الاقتصادية مع قيام دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر بتطوير اقتصاداتها في البحر الأحمر وتوسيع اعتمادها على العوامل الخارجية، كالاستثمار الخارجي المباشر والتكنولوجيا والأعمال الدولية والسياحة. من خلال الانخراط في حوار متسق عن طريق الدول المطلة على حوض البحر الأحمر، يمكن لدول المنطقة المساعدة في 1. تجنب الاضطراب أو عدم الاستقرار مع ضمان نشر استثمارات جديدة بشكل استراتيجي، بدلاً من مجرد التخفيف من المخاطر في أوقات الأزمات 2. تحفيز الاستثمار الخارجي المباشر في المجالات المبتكرة مثل الطاقة والمياه.

ممثلو مجلس البحر الأحمر المنشأ حديثًا (رويترز)

ممثلو مجلس البحر الأحمر المنشأ حديثًا (رويترز)

مع اشتداد المنافسة بين القوى العظمى في المنطقة، تظهر القوى الكبرى في منطقة البحر الأحمر التزامًا فعليا بضمان حماية مصالحها ونشر الاستثمار بشكل استراتيجي. زادت المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي الأخرى من مساهماتها في التنمية الاقتصادية لمصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا واليمن وجيبوتي من خلال وسائل تشمل المساعدات ودعم الميزانية والاستثمارات الاستراتيجية. يساعد هذا الدعم في التخفيف من المضاعفات الشديدة للتضخم المرتفع والركود وانعدام الأمن الغذائي التي تواجهها الدول المذكورة أعلاه، وبالتالي تعزيز الاستقرار السياسي والأمن لدول منطقة البحر الأحمر. كذلك يقوم مجلس التعاون الخليجي بصرف المساعدات والدعم والاستثمار لهذه الدول، مما يساعد في معالجة التضخم وتباطؤ النمو.

يحتاج الدعم المقدم لدول البحر الأحمر أن يصبح أكثر استراتيجية في انتشاره، مع التركيز على مجالات مثل تنويع الطاقة، وتغير المناخ، والتقنيات النظيفة، وتحلية المياه. إن إطلاق العنان لإمكانات دول منطقة البحر الأحمر الاقتصادية من خلال الاستثمار في هذه المجالات من شأنه أن يرسي أسس الاستقرار الاجتماعي والنمو والتنمية المستدامين. سيكون من المفيد للاقتصادات الإقليمية والقوى العالمية التي تسعى إلى الاستثمار في البنى التحتية على طول الساحل أن تكون دول منطقة البحر الأحمر متطورة اقتصادياً. حيث يمكن تحقيق ذلك في دول منطقة البحر الأحمر من خلال مجموعة الدول المطلة على حوض البحر الأحمر التي تلعب دوراً داعماً في حماية مصالح القوى العالمية.

تمثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح فرصة لمنطقة البحر الأحمر للتوجه نحو توليد الطاقة الكهربائية المستدامة بتكلفة معقولة

تمثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح فرصة لمنطقة البحر الأحمر للتوجه نحو توليد الطاقة الكهربائية المستدامة بتكلفة معقولة

تنويع مصادر الطاقة لتلبية الطلب وتحفيز الاستثمار  

تواجه الدول الغنية بالطاقة في دول منطقة البحر الأحمر تحولًا استراتيجيًا كبيرًا نظرًا لأن التوقعات طويلة الأجل لجميع الاقتصادات المنتجة للبترول هي توقعات سلبية، حيث تستعيد إيقاف الاحتباس الحراري (Net Zero) شعبيتها. أصبح السباق نحو تنويع الطاقة عاملاً رئيسياً في تشكيل اقتصادات المستقبل، بما في ذلك تلك الموجودة في دول منطقة البحر الأحمر. وعليه، فإن لدى الدول الإقليمية أولويات مختلفة لتنويع مصادر الطاقة ونشر الطاقة المتجددة. ومع ذلك، يمكن لدولة واحدة متقاعسة عن أهداف الطاقة أن تزعزع استقرار المنطقة بأكملها. من هذا المنطلق، هناك زيادات غير مستدامة في الطلب المحلي على الطاقة في جميع الدول المطلة على البحر الأحمر، إلى جانب انخفاض الوصول إلى الكهرباء في اليمن والسودان وجيبوتي. في مواجهة هذه النظرة، فإن التعاون والترابط في دول منطقة البحر الأحمر من شأنه أن يجعل أنظمة الطاقة أكثر كفاءة. بناءً عليه، تستعد دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر لتصبح رائدة في مجال التنوع الإقليمي والمساهمة في نقل التكنولوجيا وتطوير المشاريع وتمويلها.

يعدّ الارتفاع المطرد في الطلب على الكهرباء مشكلة شائعة في دول منطقة البحر الأحمر. إن متوسط النمو السنوي في مصر أقل إلى حد ما من %4. لقد تجاوز ارتفاع الطلب على الكهرباء في المملكة العربية السعودية %4 في عام 2021، بعد عدة سنوات من التراجع، بسبب نمو النشاط الاقتصادي. يتزايد استخدام الكهرباء في السودان بنسبة %13 سنويًا، على الرغم من أن البلاد ليست مزودة بالكهرباء بشكل كامل. يشكل هذا الارتفاع في الطلب تحديًا نظرًا لأن توليد الطاقة الإقليمية لا يزال يعتمد على الوقود الأحفوري،²⁸ مما يزيد الضغط على ميزانيات الدولة نظرًا لأن كهرباء الشبكة مدعومة إلى حد كبير. بالنسبة لمنتجي النفط الرئيسيين في المنطقة، فإن هذا يؤدي أيضًا إلى انخفاض في حجم صادرات الهيدروكربون وتناقص الإيرادات. يمكن أن تساعد تغييرات الطلب على الطاقة وتوسيع الترابط الشبكي في تحقيق استخدام أكثر كفاءة للكهرباء.

تحفز أزمة الطاقة العالمية أهم منتجي النفط في المنطقة، كالمملكة العربية السعودية ومصر، على تحرير الهيدروكربون من توليد الطاقة المحلية لتصديرها، وبالتالي تحفيز الالتزام بالطاقة المتجددة. تتجه دول أخرى، مثل السودان واليمن، نحو الطاقة المتجددة للحصول على الكهرباء بأسعار معقولة. ويعاني سكانها من قلة الحصول على الكهرباء، مما يعيق التنمية الاقتصادية وتوفير الخدمات. على سبيل المثال، في اليمن، يحصل %69 من سكان الريف على الكهرباء، مقارنة بـ %43 في السودان.²⁹ في جيبوتي، يمكن فقط لـ %42 من مجموع السكان الوصول إلى الطاقة.³⁰ في هذه البلدان الدول الثلاثة، كما هو الحال في المناطق الريفية الأخرى في دول منطقة البحر الأحمر، يتم إنتاج كمية كبيرة من الطاقة بواسطة مولدات الديزل باهظة الثمن والملوثة للبيئة. إن تكلفة التزويد بهذه الطاقة باهظة للغاية، وتتراوح من 0.50 دولار لإنتاج كيلوواط في الساعة في المناطق الخالية من النزاع إلى أكثر من 2 دولار لإنتاج كيلوواط في الساعة،³¹ مع اضطرابات شديدة في إمدادات الوقود، في مناطق النزاع. وفي الوقت نفسه، ستكلف الطاقة الشمسية الإضافية التخزين من 0.4 دولار إلى 1 دولار لإنتاج كيلوواط في الساعة. توفر موارد الطاقة المتجددة المتاحة في المنطقة، وخاصة طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فرصة للتحول من الديزل الضار بالبيئة وتوفير الوصول المستدام للكهرباء وبأسعار معقولة مع تحقيق الأهداف المناخية.

تواجه معظم هذه الدول تحديات في الوصول إلى التمويل الخاص ولديها ميزانيات حكومية محدودة، مما يعيق نشر أنظمة الطاقة المتجددة ذات رأس المال الكبير وأنظمة تخزين الطاقة. وبالتالي، تتاح لدول منطقة البحر الأحمر الأكثر ثراء فرصة فريدة للاستثمار في تمويل المشاريع وبناء رأس المال البشري لأقل الدول نمواً حول حوض البحر الأحمر. ويمكن تنسيق هذه الخطوات الاستثمارية من خلال مركز الخدمات الإقليمي، مما يوفر للمنطقة وسيلة لتنظيم استثماراتها الاستراتيجية من خلالها.

القيادة في مجال تغير المناخ لحماية النظام البيئي لدول منطقة البحر الأحمر

القيادة في مجال تغير المناخ لحماية النظام البيئي لدول منطقة البحر الأحمر

القيادة في مجال تغير المناخ لحماية النظام البيئي لدول منطقة البحر الأحمر 

بصرف النظر عن قيمته الاقتصادية والنقل البحري، يشتهر البحر الأحمر بتنوعه البيولوجي الساحلي والبحري المميز. ومع تنامي الجاذبية السياحية في المنطقة، يزداد خطر تغير المناخ، مما يخلق حاجة ملحة لتدابير التخفيف والتكيف الفعالة والمنسقة للغاية، بالإضافة إلى خطط طوارئ التسرّب النفطي والتدابير الصديقة للبيئة لصناعة الشحن البحري. يمكن لدول دول منطقة البحر الأحمر تنسيق التدابير التي تركز على المناخ من خلال مجموعة الدول المطلة على البحر الأحمر.

تفتخر المنطقة بالعديد من المشاريع السياحية، مثل مشروع البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، ومنطقة نيوم الاقتصادية، ووسط جدة، ومشروع أمالا، ومجمّع الغونا في مصر.³² حيث تعتمد كل هذه المشاريع على الطاقة النظيفة والمستدامة مدمجة في تصميمها. ومع ذلك، فإن النمو الاقتصادي السريع والنشاط البشري على شواطئ دول منطقة البحر الأحمر الحساسة بيئيًا سيكون له حتما عواقب سلبية على البيئة.

يمكن لأحد المخاطر المناخية أن يدمر البيئة في المنطقة بأكملها. لذا يجب تحقيق توازن بين تطوير صناعة سياحة مستدامة جديدة ومزدهرة – مع خلق فرص عمل مهمة وفرص التنويع الاقتصادي التي توفرها المشاريع – وحماية البيئة في موقع المشاريع.

وعليه تم وضع أطر للحفاظ على البحر الأحمر والمناطق المجاورة منذ عقود. في عام 1982، تم التوقيع على اتفاقية جدة، المعروفة سابقًا باسم “الاتفاقية الإقليمية للحفاظ على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن”، لحماية المنطقتين من التلوث وتحسين إدارة الموارد البحرية.³³

يشكل التسرّب المحتمل للنفط والمواد الخطرة الأخرى في حوض البحر الأحمر أيضًا تهديدًا رئيسيًا وعاجلًا. حيث تعتبر هذه التسرّبات مشكلة متكررة، بالنظر إلى طبيعة ونوع الشحن البحري في المنطقة. إن سفينةFSO Safer ، وهي سفينة عائمة لتخزين وتفريغ النفط، ترسو في البحر الأحمر شمال ميناء الحديدة اليمني، وهي مثال واحد فقط على ذلك. فضلاً عن المخاطر، يمكن أن تسكب السفينة 1.1 مليون برميل من النفط الخام بسبب اهتلاك الناقلة، وتسعى الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية إلى جمع 80 مليون دولار للتخفيف من الأثر البيئي والاجتماعي للتسرب، لا سيما على صناعات صيد الأسماك في دول منطقة البحر الأحمر.³⁴

كما دخلت الدول المطلة على حوض البحر الأحمر، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وجيبوتي ومصر والأردن والسودان، في شراكة مع المنظمة البحرية الدولية لتنفيذ تدابير منع تلوث الهواء من السفن وتعزيز كفاءة الطاقة في الشحن البحري.³⁵ يمكن لهذه المبادرات أن تقدم دليلاً يحتذى به للعمل المستقبلي في مجال تغير المناخ في المنطقة.

التركيز على التقنيات النظيفة والوقود الحيوي 

على الرغم من الدوافع والأهداف المتنوعة في المنطقة لتنويع الطاقة، فإن دول منطقة البحر الأحمر، بقيادة المملكة العربية السعودية، لديها فرصة لوضع معايير جديدة في التقنيات النظيفة. هذا مهم بشكل خاص لزيادة التكامل وخفض تكاليف التقنيات مثل الوقود الحيوي وأنظمة تخزين الطاقة.

يخطط مشروع السياحة في البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية لتشغيل مرافقه من خلال التقنيات النظيفة، وخاصة الطاقة الشمسية الكهروضوئية وأنظمة تخزين الطاقة والوقود الحيوي. ومن المتوقع أيضًا أن يستضيف المشروع أكبر محطة تبريد في العالم تعمل بالطاقة المتجددة. من المتوقع تنفيذ حوالي 25 مجموعة من مولدات الوقود الحيوي بطاقة إنتاجية إجمالية تبلغ 112 ميجاوات.³⁶

يمكن للوقود الحيوي المنتج محليًا من النفايات والمواد العضوية أن يحلّ محل جزء من الوقود الأحفوري من خلال مصدر مستدام ومتجدد. كما يمكنها أيضًا لعب دور في الاستجابة للطلب المتزايد على الطاقة والمساهمة في اقتصاد دائري. ومع ذلك، فقد أدت تكاليفها الكبيرة حتى الآن إلى إبطاء نموها. من المتوقع أن تؤدي السياسات والحوافز الحكومية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا والهند والصين، إلى زيادة بنسبة %28 على الأقل بحلول عام 2026، مقارنة بالبيانات الأساسية لعام 2021.³⁷ حيث سيؤدي نشر هذه التقنيات في دول منطقة البحر الأحمر إلى تحقيق تقليص التكلفة ونقل المعرفة والتكنولوجيا عبر المنطقة بأكملها.

ينطبق الأمر نفسه على أنظمة تخزين الطاقة ذات رأس المال الكبير(ESS). كما تسجل أنظمة تخزين الطاقة ذات رأس المال الكبير لمشروع السياحة السعودي في البحر الأحمر المخطط له رقمًا قياسيًا عالميًا جديدًا باعتباره أكبر بطارية خارج الشبكة في العالم بسعة طاقة تبلغ 1.2-1.3 غيغاوات في الساعة بتكلفة رأسمال تبلغ 1.3 مليار دولار.³⁸

محطات تحلية المياه على ساحل منطقة البحر الأحمر

محطات تحلية المياه على ساحل منطقة البحر الأحمر

التغلب على الجفاف: مشاريع تحلية المياه 

تعد الدول المحيطة بحوض البحر الأحمر من بين أكثر دول العالم ندرة في المياه، مما يوفر فرصة لدول منطقة البحر الأحمر عن طريق مجلس البحر الأحمر لاتخاذ خطوات لجلب استثمارات جديدة لتحلية المياه في المنطقة.

كما تفتقر دول منطقة البحر الأحمر إلى ما يكفيها من المياه العذبة وتواجه تحديات ناجمة عن ذلك في مجالات الري وإنتاج الأغذية وأمن الطاقة، إضافةً إلى زيادة درجات الحرارة في المنطقة مما يزيد من تفاقم المشكلة. كما تعرضت محطات تحلية المياه، والتي تعد المصدر الرئيسي للمياه، لهجمات متكررة، مما جعلها تشكل تحدياً أمنياً كبيراً. كما يجب على العديد من الدول حول حوض البحر الأحمر أن تعتمد على المنح لتمويل مشاريع تحلية المياه، في حين أن الدول القاحلة ولكن الغنية كانت قد حسنت كلاً من تقنيات تحلية المياه وقدرات التمويل، مما مكنها من نقل المعرفة العلمية والاستثمار في تحسين موارد المياه الإقليمية.

وتعدّ المملكة العربية السعودية أكبر منتج في العالم للمياه المحلاة وقد أتقنت أحدث التقنيات المتطورة. كما يتجه الأردن نحو تحلية مياه البحر الأحمر لإنتاج 250-300 مليون متر مكعب من مياه الشرب سنويًا عن طريق محطة في العقبة، ومن المتوقع أن تبدأ عملها في عام 2026. وفي الوقت نفسه، تهدف مصر إلى زيادة قدرتها على تحلية المياه بمقدار أربعة أضعاف بحلول عام 2025. وبالنسبة للدول التي تعاني من ضائقة مالية، فإن المعونة والمنح ضرورية لبناء هذه المرافق الحيوية. أما في جيبوتي، فقد موّل الاتحاد الأوروبي محطة دوراله لتحلية المياه بقيمة 70 مليون دولار، وهي الأولى من نوعها في الدول الأفريقية التي تقع جنوبي الصحراء الكبرى. وفي اليمن، افتتح مركز الملك سلمان للمساعدات الإنسانية والإغاثة في المملكة العربية السعودية محطتي حجة لتحلية المياه.

أمثلة من الاستثمارات الخليجية المبتكرة

إن موقع دول منطقة البحر الأحمر الاستراتيجي يجعلها ساحة مثالية للتجارة والسياحة. ومع ذلك، فإن تحقيق تقدم كبير في السياحة في المنطقة سيتطلب استثمارات كبيرة لتطوير البنية التحتية المناسبة، وتسهيل مرور السياح وجذب الزوار الأجانب. وينبغي أن يشمل هذا الجهد أيضاً ما يلي: المشاركة الدبلوماسية الهامة بين الدول الساحلية في البحر الأحمر، وحلّ الصراعات التي تهدد بتعطيل التجارة، وحماية الممر من الإضرار بأنظمته الإيكولوجية، ونشر الاستثمارات والمساعدة المتعددة الأطراف. كما يمكن أن تساعد ولايات دول منطقة البحر الأحمر في تحفيز الاستثمار الجديد في هذه المجالات من خلال إنشاء إطار لمعالجة هذه القضايا من خلال مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر.

لقد بدأت دول الخليج في العمل على العديد من هذه الجبهات من منظور مصالحها الأمنية الوطنية الخاصة، مع التركيز بشكل خاص على الاستثمار في الدول الساحلية الأفريقية. ولهذه الاستثمارات أهميتها من حيث قيمتها السياسية والاقتصادية. فمن المقرر، على سبيل المثال، أن تحصل قطر على حصة تبلغ 17 ٪ في اثنتين من مناطق التنقيب عن النفط والغاز في البحر الأحمر في مصر بعد إبرام صفقة مع شركة شل في كانون الأول 2021. ويشير هذا الاستحواذ إلى تعزيز العلاقات القطرية المصرية بعد أن أعادتا العلاقات الدبلوماسية بينهما في عام 2021.

أما المملكة العربية السعودية، والتي من المتوقع أن تصبح الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم لهذا العام، فإنها في وضع جيد للاستثمار في التنمية الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، في البنية التحتية ومشاريع البناء والمراكز اللوجستية بالإضافة إلى مجالات أخرى. لقد وضعت المملكة أجندة طموحة لتنويع اقتصادها في “رؤية 2030”. ومن الأمور الرئيسية لتحقيق ذلك حماية منطقة مستقرة، والاستثمار في الجوار لدعم جهود التنويع الأوسع، وممارسة القيادة الإقليمية.

مبادرات التنمية في البحر الأحمر

لقد ركزت المملكة منذ فترة طويلة اهتمامها على شواطئها الشرقية حيث تقع غالبية إنتاجها النفطي وتراقب جارتها إيران عن كثب. لكنها وسعت تركيزها ليشمل شواطئها الغربية، والتي تعتبر الآن أولوية استراتيجية بعد الهجمات العديدة التي شنتها حركة الحوثيين المدعومة من إيران على الأراضي السعودية ومصالحها في اليمن. ووفقًا للمبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى اليمن تيموثي ليندركينغ، فقد شن الحوثيون ما يقرب من 375 هجومًا عبر الحدود داخل المملكة العربية السعودية في عام 2021 وحده.1 وكان الهجوم الأخير الأبرز عبارة عن غارات بطائرات بدون طيار شنتها الحركة في مارس على العديد من مرافق الطاقة في منطقة جيزان الجنوبية في المملكة العربية السعودية وميناء ينبع في البحر الأحمر. كما أدى استيلاء قوات الحوثيين على صنعاء إلى إعادة التفكير في الرياض حول الأهمية الاستراتيجية لساحلها الغربي، وأهمية استقرار جيرانها الأفارقة عبر البحر الأحمر. لذلك عدلت المملكة تعاملها مع هذه الدول الأفريقية، سعياً منا إلى منع، أو على الأقل احتواء، احتمال نشوب نزاع ونشاط غير مشروع. ومن شأن هذا أن يقلل من المخاطر على أمن ساحل ومرافق البحر الأحمر في المملكة، وكذلك ممرات النقل المائية.

لقد أصبحت البنية التحتية مجال تركيز رئيسي للاستثمارات الخليجية، وبالتالي وسيلة لممارسة النفوذ والسيطرة. وتعد المنافسة على عقود الموانئ، في إطاري البناء والتشغيل، عالية بشكل خاص بين الدول التي تعتمد على البحر الأحمر لنقل صادراتها، بما في ذلك الصين. وفي محاولة لتأمين المصالح الإقليمية، تم توقيع حزمة استثمارية بقيمة 7.7 مليار دولار بين المملكة العربية السعودية ومصر في يونيو 2022، بما في ذلك إدارة الموانئ جنبًا إلى جنب بالإضافة إلى مشاريع تطوير البنية التحتية. وفي شهر مايو، دعت جيبوتي المستثمرين من المملكة، بما في ذلك صندوق الاستثمار العام ووزارة الصناعة والمعادن، إلى الاستثمار في الموانئ والمشاريع اللوجستية كجزء من منطقة التجارة الحرة الدولية، وهي أكبر منطقة في أفريقيا وبوابة إلى سوق قارية يزيد عدد سكانها على 1.3 مليار نسمة.⁴⁰

وتقوم موانئ دبي العالمية في دولة الإمارات العربية المتحدة بتطوير ميناء بربرة في أرض الصومال كجزء من خطط أوسع لجعل بربرة مركزًا تجاريًا إقليميًا رئيسيًا من خلال ربطه بإثيوبيا عن طريق البر. كما تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة ببناء ميناء جديد في السودان لمنافسة البنية التحتية الساحلية الرئيسية للبلاد في بورتسودان، بتكلفة بلغت 4 مليارات دولار. كما تمول قطر إعادة تطوير لميناء سواكين التاريخي في البحر الأحمر في السودان بقيمة 3 مليارات دولار. ولم يتوضح بعد كيف سيؤثر ذلك على مشروع تطوير الميناء التركي الحالي في سواكين، لكن العلاقة الوثيقة بين أنقرة والدوحة تشير إلى أنه لن تكون هناك مشكلة كبيرة مع المشاريع التي تقام جنبًا إلى جنب. وبهذه الطريقة، يقوم اللاعبون الخليجيون بإنشاء موطئ قدم ثابت لعم على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر. وهناك حاجة إلى المزيد من هذا الاستثمار لتحقيق الأمن والازدهار في المنطقة.

6. جمع دول منطقة البحر الأحمر معا لتأمين المستقبل

وبالنظر إلى أن حركة الملاحة البحرية الآسيوية الأوروبية ستتحرك في نهاية المطاف نحو القطب الشمالي، فإن دول منطقة البحر الأحمر بحاجة إلى تطوير نظام بيئي تعاوني يمكنه تغيير منطقة البحر الأحمر، وضمان أمنها والحفاظ على اقتصادها.

العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز يستقبل ممثلين الدول المطلة على البحر الأحمر لبحث التعاون المشترك (وكالة الأنباء السعودية).

العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز يستقبل ممثلين الدول المطلة على البحر الأحمر لبحث التعاون المشترك (وكالة الأنباء السعودية).

إن التعاون في مصلحة جميع الدول المطلة على البحر الأحمر. وهناك سابقة تبرهن على قيمة التعاون في مجالي مكافحة القرصنة ومكافحة الإرهاب. فقد شهدت هذه العمليات تعاونًا بين مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة الدوليين، بما في ذلك الدول الأعضاء في لجنة مكافحة الإرهاب والبالغ عددها 34 دولة. واستجابت الصين أيضاً لقضايا القرصنة قبالة سواحل الصومال، فأرسلت مدمرتين قاذفتين وسفينة إمداد إلى خليج عدن في عام 2008.⁴¹ ولفت هذا الانتباه لأنها كانت المرة الأولى التي تنخرط فيها الصين في عمليات خارج مياهها الإقليمية، مما يشير إلى الأولوية الكبرى التي توليها الصين لأمن المنطقة. وذكرت المنظمة البحرية الدولية مؤخراً أنه بعد 15 عاماً من التعاون المتفاني بين الجهات الفاعلة العسكرية والسياسية والمجتمع المدني وصناعة النقل البحري، لم يعد المحيط الهندي معرضاً لخطر القرصنة⁴². وقد نجح هذا التعاون في القضاء على التهديد وخدمة المصالح الجماعية لجميع الدول الفاعلة في المنطقة. وتكرار ذلك على نطاق إقليمي فرعي سيكون مفيداً لدول المنطقة، وللمنطقة على نطاق أوسع، وللعالم بأسره بطبيعة الحال.

لقد طرح المسؤولون فكرة إنشاء منظمة إقليمية لتشجيع التعاون حول البحر الأحمر في وقت مبكر من عام 1972. وتم تشكيل بعض المنظمات، مثل إعلان البحر الأحمر وخليج عدن في عام 1976 واتفاقية جدة في عام 1982. وفي عام 2020 وبعد توقف دام ما يقرب من ثلاثين عامًا، وقع وزراء خارجية جيبوتي ومصر وإريتريا والأردن والمملكة العربية السعودية والصومال والسودان واليمن ميثاقًا ينشئ مجلس الدول العربية والأفريقية المتاخمة للبحر الأحمر وخليج عدن، والمعروف أيضًا باسم مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر(RSC).

إن الهدف الرئيسي لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر هو تعزيز التنسيق والتعاون الإقليميين في مواجهة المخاطر والتحديات الإقليمية. يهدف التعاون الأوثق بين الدول الأعضاء إلى الحد من المخاطر على البحر الأحمر وخليج عدن، وبالتالي تعزيز أمن وسلامة الملاحة الدولية. كما يخفف التعاون من التهديدات الإرهابية المنتشرة والأنشطة المرتبطة بها، بما في ذلك الجريمة المالية والقرصنة والتهريب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير القانونية.

وعلى الرغم من أنه من غير المرجح إلى حد كبير أن يطور مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر قدرته العسكرية الخاصة، فإن تشكيله يشير إلى أن الدول الأعضاء ستعمل لتحقيق تعاون أمني أوثق بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، وتتحمل حصة أكبر من المسؤولية عن إدارة أمن البحر الأحمر. ليست هذه العملية بالسهلة ولا يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها، ومن المرجح أن تنطوي على مشاركة كبيرة من واشنطن، التي تعتزم المساعدة في تشكيل إطار أمني جديد. ويعد مركز الخدمات الإقليمي، تحت قيادة المملكة العربية السعودية، الأداة الطبيعية لدول المنطقة للقيام بدور أكبر، ليس فقط في أمن المنطقة الإقليمية الفرعية، ولكن أيضًا في المساعدة على عزلها ضد الصدمات الخارجية، ونمو الاقتصادات المحلية وتعميق التنمية الإقليمية.

وتشمل أهداف مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر أيضاً زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة إلى المنطقة وتعزيز الاستقرار في المنطقة. ويوفر تحسن العلاقات الأخير بين دول الخليج وقطر وتركيا فرصة في توقيت جيد للعمل معًا من خلال مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر لتأمين المصالح الجماعية في منطقة البحر الأحمر. ونظراً لأن التنافس على النفوذ والتأثير في الساحة لا يزال شديداً، يقتضي هذا أن تبذل الجهات الإقليمية الفاعلة والمجتمع الدولي جهوداً دبلوماسية كبيرة للحيلولة دون تفوق الصراعات على الاحتياجات والتطلعات الإقليمية.

وتتمتع المملكة العربية السعودية، بوصفها دولة آمنة ومستقرة اقتصادياً وتشارك دبلوماسياً مع جميع القوى العالمية الكبرى، بموقع فريد لقيادة هذه الجهود. إذ تمتلك المملكة حافزاً لحماية البحر الأحمر من الجهات الفاعلة الخبيثة، خاصة من المنافسين السياسيين مثل إيران ومقاتلي الحوثيين، ويعدّ تطوير دول منطقة البحر الأحمر كجزء من “رؤية 2030” واستراتيجيات أمنها القومي. إن قيادة مجموعة متعددة الجنسيات ذات مصالح معقدة ومتنافسة في بعض الأحيان ليست جديدة على المملكة. ويُظهِرُ دورها كمنظم لدول مجلس التعاون الخليجي وكقائد فعلي لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وعضويتها الموسعة في أوبك+، أنها ستنجح في إدارة مجموعة دول البحر الأحمر.

وكخطوة أولى في هذا الاتجاه، يشير إنشاء الرياض لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وقيادتها له بوضوح إلى رغبة المملكة والدول الأخرى لإدارة تنافس القوى العظمى في دول منطقة البحر الأحمر مع زيادة المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية لدول المنطقة. كما سيستفيد مركز مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر من المشاركة مع مجموعة واسعة من الدول غير الساحلية المستثمرة بالفعل في دول منطقة البحر الأحمر، مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا. وسيكون مركز الخدمات الإقليمي أكثر فعالية إذا استطاع الاستفادة من المزاج السائد في الوقت الراهن والذي يخفف من حدة التصعيد في سبيل إيجاد أرضية مشتركة للتعاون مع هذه الدول الرئيسة غير الأعضاء، لا سيما بالنظر إلى وجود كل منها في المنطقة على شكل قواعد عسكرية وموانئ واستثمارات. وستكون المشاركة مع المجتمع الدولي الأوسع مطلوبة أيضاً، نظراً لأهمية مياه البحر الأحمر بالنسبة للتجارة العالمية والتحديات التي تواجه أولويتها في المستقبل.

7. الخلاصة

لطالما كانت دول منطقة البحر الأحمر ذات أهمية عالمية، ولم تنمو أهميتها للاقتصادات الدولية والإقليمية إلا منذ غزو روسيا لأوكرانيا وأزمة السلع الأساسية التي تلت ذلك. وما دامت القوى الكبرى في آسيا وأوروبا تركز على تأمين الوصول إلى المواد الهيدروكربونية التي تعبر ممراتها المائية، سيظل البحر شرياناً حيوياً للتجارة الدولية.

ومع ذلك، فإنه من المرجح أن تنتقل التجارة إلى الشمال بمرور الوقت حيث يبحث المستوردون والمصدرون على حد سواء عن طرق شحن بديلة أقصر وأرخص وأكثر مراعاة للبيئة. سيضع هذا ضغطًا على دول منطقة البحر الأحمر لأنها تواجه انخفاضًا في الاستخدام العالمي للهيدروكربونات. ولكن في الوقت الحالي، لا تزال المنافسة مرتفعة على تأمين البحر الأحمر ودوله المطلة عليه والتأثير عليها سعياً إلى تحقيق المصالح الوطنية، وغالباً من جانب قوى عالمية مثل الولايات المتحدة والصين.

وبينما يستعد العالم لأزمة الطاقة، حان الوقت للدول المطلة على البحر الأحمر للنظر في مستقبلها والاستثمار بحكمة لضمان بقاء البحر الأحمر آمنًا ومهماً. وقد بدأت بعض دول المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا، في اتباع سياسات تتماشى مع هذا الهدف. وقد أتاحت التحولات في العلاقات الإقليمية وأولويات القوى الكبرى فرصة فريدة لمزيد من التعاون في هذا الصدد. إذ يتزايد التعاون بالفعل بين الدول في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مما يخلق أساسًا مثاليًا يمكن أن تعمل عليه دول البحر الأحمر معًا لبناء مستقبل آمن ومستدام للمنطقة.

كما يجب حماية النظام البيئي لحوض البحر الأحمر إذا كانت هناك نية أن يكون للمنطقة مستقبل مزدهر. وهناك حاجة إلى الاستثمار لدعم الاقتصادات الإقليمية مع التركيز على النظم الاقتصادية الطموحة والفعالة من حيث الطاقة، مع إعطاء الأولوية لمصادر الطاقة المتجددة والتكنولوجيات النظيفة. وينبغي تطبيق الدروس المستفادة من التعاون في مجال الأمن الغذائي والمائي.

وسوف يحتاج دعم منطقة البحر الأحمر إلى أن يصبح أكثر استراتيجية في نشره، بدلاً من أن يعمل ببساطة على تجنب الأزمات. ومن شأن إطلاق العنان لإمكانات دول منطقة البحر الأحمر من أجل تحقيق نمو وتنمية كبيرين أن يساعد على التخفيف من آثار التقلبات الاقتصادية وانعدام الأمن الغذائي والتضخم المصحوب بالركود، مما يزيد من تسريع وتيرة النمو المستدام. إن القيام بذلك بشكل تعاوني من شأنه أن يقلل من مخاطر عدم الاستقرار المحلي وفشل الدولة، ونتيجة لذلك، عدوى انعدام الأمن.

كما يمكن أن يؤدي خطر واحد أو كارثة مناخية واحدة إلى إلحاق الضرر بالمنطقة بأكملها. ولذلك، لا بد من إقامة توازن بين الصناعات النامية المزدهرة والمستدامة – مع ما تتيحه من فرص هامة لخلق فرص العمل وللتنويع الاقتصادي – بالإضافة لحماية البيئة ذاتها التي أدت إلى نشوئها.

ولا بد من وضع مبادرة تقودها المنطقة وتحظى بتأييد دولي وتشمل قضايا الأمن والقضايا الاقتصادية والتنمية من أجل تحقيق الازدهار في منطقة البحر الأحمر وضمان بقائها آمنة. كما يمكن أن يكون مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر، تحت قيادة المملكة العربية السعودية، القوة الدافعة وراء حماية والحفاظ على وضمان مستقبل هذه الساحة المتنوعة بيئيًا والمهمة اقتصاديًا لصالح شعوبها والعالم بأسره.


References

1. https://www.reuters.com/business/egypts-suez-canal-revenue-hits-7-bln-record-peak-2022-07-04/

2. https://www.reuters.com/article/egypt-suezcanal-oil-idINKBN2BI26C

3. https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=41073

4. https://site.uit.no/nclos/2021/06/21/maritime-security-threats-and-the-passage-regime-in-the-bab-el- mandeb/

5. https://www.researchgate.net/publication/329484925_Endemic_Fishes_of_the_Red_Sea

6. https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.MKTP.CD?locations=SA

7. https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.MKTP.CD?locations=DJ

8. https://www.undp.org/yemen/about-us

9. https://www.wfp.org/emergencies/yemen- emergency#:~:text=The%20current%20level%20of%20hunger,to%2019%20millionby%20December%202022.

10. https://www.oecd.org/ocean/topics/ocean-shipping/

11. https://www.mei.edu/publications/chinas-maritime-silk-road-and-security-red-sea-region

12. https://www.reuters.com/world/africa/hemedti-says-sudan-should-be-open-naval-base-accord-with-russia- or-others-2022-03-02/

13. https://dg.dryadglobal.com/red- sea#:~:text=In%20terms%20of%20economics%2C%20the,meet%20their%20nation%27s%20oil%20needs.

14. https://foreignpolicy.com/2022/07/15/russia-sudan-putin-east-africa-port-red-sea- naval-base-scuttled/

15. https://www.reuters.com/business/egypts-suez-canal-revenue-hits-7-bln-record-peak-2022-07-04/

16. https://www.al-monitor.com/originals/2021/12/suez-canal-establish-sovereign-wealth-fund

17. https://www.al-monitor.com/originals/2022/08/shipping-giant-maersk-invest-500-million-suez-canal

18. https://www.reuters.com/world/middle-east/exclusive-uae-build-red-sea-port-sudan-6-billion-investment- package-2022-06-20/

19. https://foreignpolicy.com/2021/12/22/turkey-africa-erdogan-partnership-summit/

20. https://www.reuters.com/article/us-sudan-qatar-idUSKBN1H22WH

21. https://www.bloomberg.com/news/articles/2022-08-11/iea-sees-russian-oil-output-down-20-when-eu-ban- takes-effect

22. https://www.bloomberg.com/news/articles/2022-06-27/macron-tells-biden-that-uae-and-saudi-pumping- near-oil-limits

23. JP Morgan (2022). Global Commodities Research: Commodity Market Positioning 05 September 2022.

24. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2022/06/07/stagflation-risk-rises-amid-sharp- slowdown-in-growth-energy-markets

25. https://www.fas.usda.gov/data/impacts-and-repercussions-price-increases-global-fertilizer-market

26. https://www.reuters.com/markets/commodities/wheat-prices-soar-worlds-consumers-vote-with-their-feet- 2022-08-03/

27. https://www.weforum.org/agenda/2022/05/averting-an-african-food-crisis-in-the-wake-of-the-ukraine-war/

28. https://www.afdb.org/fr/news-and-events/sudan-afdb-takes-the-desert-to-power-initiative-to-sudan-17216

29. https://doi.org/10.1007/978-3-030-86884-0_33

30. https://www.usaid.gov/powerafrica/djibouti

31. https://www.usip.org/sites/default/files/2018-01/sr418-south-sudans-renewable-energy-potential-a- building-block-for-peace.pdf

32. https://www.bbc.com/travel/article/20220714-egypts-red-sea-resort-thats-making-waves

33. https://persga.org/wp-content/documents/Jeddah-Convention.pdf

34. https://www.imo.org/en/MediaCentre/HotTopics/Pages/FSO-SAFER-oil-spill-risk.aspx

35. https://www.imo.org/en/MediaCentre/Pages/WhatsNew-1366.aspx

36. https://www.man-es.com/company/press-releases/press-details/2022/04/28/ambitious-saudi-arabian- tourist-project-relies-on-man-biofuel-engines

37. https://www.iea.org/reports/renewables- 2021/biofuels?mode=transport&region=World&publication=2021&flow=Consumption&product=Ethanol

38. https://www.theredsea.sa/en/newsroom/worlds-largest-battery-storage-facility-will-power-the-red-sea- project-with-clean-energy-247#

39. https://www.wsj.com/articles/saudi-arabia-pleads-for-missile-defense-resupply-as- its-arsenal-runs-low-11638878400

40. https://www.arabnews.com/node/2093796/business-economy

41. https://www.nytimes.com/2008/12/19/world/asia/19patrols.html

42. https://www.nytimes.com/2008/12/19/world/asia/19patrols.html