يدفع تغير المناخ وأمن الطاقة والمخاوف الاقتصادية تحول الطاقة إلى الأمام في منطقة الشرق الأوسط وشمالأفريقيا، ويجعل أنظمة الطاقة أكثر تعقيدا. وللتكيف مع أنظمة الطاقة في المستقبل، سيكون من الضروري تقاسم الموارد المالية والتكنولوجية في أنحاء المنطقة كلها. وعلى هذا النحو، سيكون التعاون الإقليمي على عدة مستويات ضروريا لمستقبل مستدام. وسيظهر ذلك– بوتيرة ومستويات مختلفة من النجاح– في الربط البيني لشبكات الكهرباء، والاستثمارات العابرة للحدود في الطاقة المتجددة، وفي تبادل المعرفة والتكنولوجيا.

وفيما يوجد تعاونبين بعض بلدان المنطقة، ولا سيما في إستثمارات الطاقة المتجددة والربط البيني للشبكات، لا تزال صورة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرتبطة بالنفط، وتعتبر الكثير من الشركات مثل “مصدر”، و”أكوا باور”، من رواد الطاقة النظيفة، والتي تؤسس محافظ استثمارية إقليمية في مجال الطاقة المتجددة، وتزيد حصتها السوقية في صناعة الطاقة المتجددة العالمية.

وتساهم هذه الاستثمارات والشراكات العابرة للأقاليم في تنويع مصادر الطاقة والاقتصاد في دول المنطقة. ومع ذلك، هناك حاجة كبيرة لتوسيع هذه الشراكات لمعالجة تحديات المناخ وأمن الطاقة، ومن دون نمو كبير في التعاون، لن تزدهر المنطقة اقتصاديا أو على صعيد أمن الطاقة.

أنظمة طاقة المستقبل المعقدة

تغيرت أمور كثيرة في أسواق الطاقة العالمية على مدى العقود القليلة الماضية، إذ أدت التطورات التكنولوجية إلى نشوء مصادر جديدة للإمداد، وإدخال اللامركزية، وزيادة التركيز على إزالة الكربون.

في الأصل، كانت الاهتمامات الاجتماعية والبيئية هي التي دفعت إلى ولادة تحول الطاقة كوسيلة لمعالجة تغير المناخ، لكن صارت العوامل النهائية لتحول الطاقة اقتصادية وأمنية،في كثير من البلدان في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي هذا السياق، تقوم بلدان المنطقة بتنويع أنظمة الطاقة لديها، إما لتحرير الهيدروكربونات من الاستهلاك بغرض التصدير (في حالة البلدان المصدرة الصافية)، أو لخفض فاتورة واردات الوقود الأحفوري بالنسبة إلى البلدان المستوردة الصافية. كذلك أصبح تغير المناخ، بوصفه مضاعفا للأخطار، عاملا رئيسا آخر.

وتشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل متزايد تأثير تغير المناخ، ارتفاعا في درجات الحرارة– التي تتجاوز 53 درجة مئوية في بعض المدن– وجفافا، وظروفا جوية قاسية. وتتزايد شدة العواصف الرملية وتتكرر الفيضانات المفاجئة. ويشكل المناخ تهديدا ناشئا للاستقرار الاقتصادي والوطني والإقليمي، ويزيد تعرض المنطقة إلى تغير المناخ من الحاجة إلى تدابير تخفيف وتكيف، بما في ذلك إزالة الكربون من مصادر الطاقة.وتعزز هذه الاتجاهات زخم تحول الطاقة، وتعقيد أنظمة الطاقة.

الطريق الصعب أمامنا

تساهم عوامل عدة في زيادة تعقيدات قطاع الطاقة. وتشمل هذه العوامل:

1- تأثير ارتفاع درجات الحرارة على البنية التحتية القائمة والطلب على المياه والطاقة.

2- التركيز على الطاقة المتجددة المتغيرة.

3- نشر النماذج اللامركزية.

أولا: مع ارتفاع درجات الحرارة، يرتفع الطلب على الطاقة أيضا، مدفوعا بالحاجة المتزايدة للمياه المحلاة ومكيفات الهواء. غير أن هذه البنية التحتية القائمة لا يمكنها تلبية هذا الطلب المتزايد. وهذا يضغط على قطاع الطاقة ويؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي، حتى في البلدان التي لديها هوامش احتياطية كبيرة في توليد الطاقة مثل مصر والكويت. كذلك يؤثر تغير المناخ سلبا على البنية التحتية الحالية للطاقة؛ حيث تقلل الحرارة الشديدة من أداء محطة الطاقة وتزيد من الطلب على المياه لتبريد المحطة، ويقلل الجفاف من توافر الطاقة الكهرومائية. بالإضافة إلى ذلك، تؤثر الحرارة المرتفعة في المنطقة سلبا في ناتج محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية. وتُحدد ظروف الاختبار القياسية للوحدات الكهروضوئية عند 25 درجة مئوية، ما يعني أن أداء المحطة يتعرض للخطر عند درجات حرارة أعلى.

ثانيا: يستهدف الجزء الأكبر من الاستثمارات في تحول الطاقة في المنطقة توليد الطاقة، ويهمل قطاعات أخرى مثل الصناعات والمباني. وحتى داخل قطاع الطاقة، تختلف وتيرة نجاح نشر الطاقة المتجددة ومعدله من بلد إلى آخر، كما أن التحديات التي تواجه إدماج الطاقة المتجددة في الطاقة الإجمالية كثيرة، مما يضعف احتمال مطابقة العرض والطلب.

تُعَد البنية التحتية للشبكة في صميم التحول الناجح في قطاع الطاقة. ومع ذلك، تعاني الشبكة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تحديات بما في ذلك القدرة المحدودة والخسائر ونقص الاستثمار.

لا تُجرَى توسعات للشبكة بسرعة تنفيذ الطاقة المتجددة نفسها، وسيتصاعد الطلب مع اعتماد السيارات الكهربائية واختيار مصادر الطاقة المتجددة التي تُدخَل في الشبكة. وتفضل بلدان المنطقة حتى الآن الطاقة المتجددة المتغيرة: الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح. وينشئ تباين هذه الأنظمة مخاطر على تكامل الشبكة، مثل التأخير وعدم الموثوقية. وتزداد التوقعات الخاصة بالشبكة سوءا بسبب انخفاض مستويات الاستثمار في شبكات النقل والتوزيع، التي تمثل 8-12 في المئة فقط من استثمارات قطاع الطاقة كلها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ثالثا: اتبعت أنظمة الطاقة تاريخيا نموذجا مركزيا بمشاركة مكثفة من الدولة، تشمل النماذج الجديدة أنظمة موزعة مثل الخلايا الكهروضوئية الشمسية الموضوعة على الأسطح والشبكات الصغيرة. ويؤدي ذلك إلى ظهور مستهلكين منتجين (يستهلكون وينتجون في الوقت نفسه) مما يزيد تعقيد إدارة الشبكات.

تعهدت بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأهداف طموحة للطاقة المتجددة لعام 2030 تتراوح من 15 في المئة من توليد الكهرباء في دولة الكويت إلى 50 في المئة في للسعودية و52 في المئة في المغرب

التعاون من أجل مستقبل مستدام

التعاون الإقليمي أمر بالغ الأهمية لمستقبل مستدام ومرن. من الربط البيني لشبكة الكهرباء إلى الاستثمارات العابرة للحدود في الطاقة المتجددة، يعد العمل معا أمرا حيويا، ولا سيما إذا أرادت دول المنطقة تحقيق أهدافها في مجال الطاقة المتجددة والصفر الصافي. 

وقد تعهدت بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأهداف طموحة للطاقة المتجددة لعام 2030 تتراوح من 15 في المئة من توليد الكهرباء في دولة الكويت إلى 50 في المئة في المملكة العربية السعودية و52 في المئة في المملكة المغربية. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف من دون شبكة كهرباء مترابطة وسوق فاعلة لتبادل الكهرباء لتحسين استقرار الشبكة، والحد من تعرقل انتاج الكهرباء المولدة من الطاقة المتجددة، وتحقيق التوازن بين الأحمال والطلب.

ومع الارتفاع المستمر في الطلب على الطاقة، سيؤدي الربط البيني للشبكة العابرة للحدود إلى تأجيل الحاجة إلى إضافات كبيرة لقدرة توليد الطاقة. كذلك ستؤمن شبكة مترابطة إمدادات موثوقة من الكهرباء للبلدان التي تعاني بشكل متزايد من انقطاع التيار الكهربائي، وكذلك البلدان الخارجة من نزاعات أثناء إصلاحها لأنظمة الطاقة لديها.

ويجب أن يتم التعاون على جبهات متعددة، بما في ذلك الشؤون المالية والجوانب التكنولوجية ومشاركة الموارد والبيانات. ذلك أن بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معرضة بشدة إلى مخاطر على صعيد المالية العامة، مع تضخم أحجام القطاع العام في هذه الدول، والاعتماد الكبير على عوائد النفط. ويشكل تقلب أسعار النفط تهديدات للاستقرار المالي في الاقتصادات المصدرة للسلعة التي تعتمد على هذه العوائد، والاقتصادات المستوردة التي تعتمد على تحويلات مغتربيها المقيمين في البلدان المصدرة. وتتفاقم هذه التحديات بسبب الصدمات الخارجية والتباطؤ الاقتصادي العالمي.

علاوة على ذلك، تعاني غالبية البلدان بشكل مزمن في جذب التمويل، بما في ذلك تمويل مكافحة تغير المناخ. ورغم الاستفادة من 12 صندوقا لتمويل مكافحة تغير المناخ، يُعَد الحجم الإجمالي المعتمد في هذا التمويل في المنطقة من بين أدنى المعدلات على مستوى العالم. وفي الوقت نفسه، تعتبر النفقات الرأسمالية اللازمة لتحول الطاقة هائلة، وتزداد بشكل كبير عند احتساب تدابير التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من حدته على نطاق أوسع.

ومع ذلك، في أعقاب المكاسب النفطية غير المتوقعة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، تسجل البلدان الإقليمية المصدرة للنفط، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، نموا قويا وتقدما في سياسات التنويع الاقتصادي. وبالتالي، يمكن للتعاون أن يعالج بعض الفجوات المالية ويزيل الحواجز السوقية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مع توفير عوائد التنويع والاستثمار للبلدان ذات الدخل المرتفع مثل دول مجلس التعاون الخليجي.

يشكل تنوع الموارد والوصول إلى الطاقة حجة قوية أخرى لصالح التعاون. وتتمتع بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بموارد وفيرة من الطاقة المتجددة؛ ومع ذلك، تتوزع هذه الموارد بشكل غير متساوٍ بين المواقع الجغرافية، ولا سيما في حالة الطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية. وتعتبر أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية وبعض الأنظمة الكهرومائية حيوية لتوليد الطاقة الخاصة بالحمل الأساسي، ويجب أن تكون جزءا أساسيا من عمليات نشر الطاقة المتجددة. ويمكن للطاقة الحرارية الأرضية أن تعزز طاقة محطات تحلية المياه بالطاقة وتوفر تبريدا للمحطات، ويمكن أن تستفيد من الخبرة الواسعة في مجال الحفر المتوافرة لدى منتجي النفط في المنطقة.

وتتطلب الاستفادة من موارد الطاقة المتجددة المختلفة هذه تعاونا عابرا للحدود، وتحسينا للموارد والتكنولوجيات. إضافة الى توسيع نطاق البنية التحتية للطاقة – ولاسيما من خلال مصادر الطاقة المتجددة – عبر الحدود، من مناطق ذات موارد وفيرة وآفاق أفضل على صعيد إمكان تمويل المشاريع، إلى مناطق تقل فيها فرص الحصول على الطاقة في أقل البلدان نموا أو البلدان التي تشهد نزاعات، في مقدور ذلك أن يزيد من حصة الطاقة المتجددة ويحسن فرص الحصول عليها.

يجري التعاون بأشكال عديدة بالفعل في المنطقة، مما يشير إلى الاعتراف بضرورة التعاون. وتؤدي شركة “مصدر” دورا رئيسا في تطوير الطاقة المتجددة في الأسواق في أنحاء المنطقة كلها وخارجها. وتبلغ استثماراتها الاجمالية الحالية 30 مليار دولار مع قدرة تساوي 20 غيغاواط، وتهدف إلى الوصول إلى 100 غيغاواط بحلول عام 2030

ريادة التعاون

يجري التعاون بأشكال عديدة بالفعل في المنطقة، مما يشير إلى الاعتراف بضرورة التعاون. وتؤدي شركة أبو ظبي لطاقة المستقبل “مصدر”، دورا رئيسا في تطوير الطاقة المتجددة في الأسواق في أنحاء المنطقة وخارجها. وتبلغ استثماراتها الاجمالية الحالية 30 مليار دولار مع قدرة تساوي 20 غيغاواط، وتهدف إلى الوصول إلى 100 غيغاواط بحلول عام 2030. من بين استثماراتها الرئيسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا داخل المملكة العربية السعودية، حيث طورت الشركة أول محطة رياح عاملة في المملكة بقدرة 400 ميغاواط، وهي الأكبر في المنطقة. 

وبالمثل، تمتلك “أكوا باور”، الشركة المطورة والمستثمرة في الكهرباء والمياه، المدعومة من المملكة العربية السعودية، محفظة عالمية كبيرة من مشاريع الطاقة المتجددة بسعة إجمالية تبلغ 23.4 غيغاواط، إلى جانب عمليات كبيرة في دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية والمملكة المغربية. ووقعت الشركة في أكتوبر/تشرين الأول اتفاقا مدته 30 سنة مع هيئة مياه وكهرباء دبي لتطوير المرحلة الأولى من أكبر محطة لتحلية المياه تعمل بالطاقة المتجددة في العالم.

وعلى جبهة الربط الشبكي، يجري تطوير مشاريع ثنائية، وإن كان ذلك ببطء. وأكبر تطوير في هذا المجال هو التوسع الأول في الربط الشبكي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى خارج هذه البلدان، من خلال مشروع الربط مع العراق المقرر الانتهاء منه بحلول نهاية عام 2024. ويتضمن المشروع تطوير منصة لتجارة الكهرباء بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق من خلال اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف.

إن بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وضع جيد لجني فوائد التعاون من أجل تسريع تحول الطاقة وبناء مستقبل أكثر استدامة. وستزداد الشراكات بشأن أنظمة الطاقة الإقليمية وتترجم إلى ربط شبكات الكهرباء وأسواق التبادل الكهربائي، واستثمارات الطاقة المتجددة العابرة للحدود، من بين أمور أخرى. ومع ذلك، لا تزال وتيرة هذه الشراكات ومدى التعاون غير مؤكدين. وإذا لم يكن التعاون شاملا البلدان كلها، وظل بين مجموعة صغيرة، فسيكون التقدم متفاوتا وسيتخلف تحول الطاقة عن الركب، مما يعرض أمن الطاقة في المنطقة إلى خطر؛ فالتعاون ضروري، وهو فقط يبدأ للتو.