.تشريعات مهمّة أقرت جعلت بيئة الأعمال في المملكة أكثر جاذبية للاستثمار

في منتصف الطريق نحو تحقيق رؤية 2030، أصبحت المملكة العربية السعودية في موقع متقدم لتعزيز التحوّل الاقتصادي وتعميقه من خلال زيادة تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر. من الأهمية بمكان تطوير القدرات المؤسساتية والبشرية الوطنية والاستثمار في التعليم ودعم المهارات بحيث تكون على رأس جدول الأعمال في سنة2024.

تشهد المملكة العربية السعودية تحوّلا اقتصاديا واجتماعيا مهما يرتكز على رؤية شاملة لإصلاح الاقتصاد وتنويعه واستراتيجية استثمار وطني طموحة، وعلى مشاركة واسعة وديناميكية للشباب السعودي.

يؤكد أحدث تقارير صندوق النقد الدولي على الإنجازات التي حقّقتها المملكة حتى اليوم، والأداء الاستثنائي للاقتصاد في سنة 2022. فقد بلغ النمو الإجمالي 8,7 في المئة في سنة 2022، وهو النمو الأسرع الذي تحقّقه البلاد منذ نحو عشر سنوات، وبلغ نمو الناتج المحلي غير النفطي ما يقرب من 5 في المئة، مع احتواء التضخّم طوال هذه الفترة. وانخفض معدّل البطالة الإجمالي إلى أدنى مستوى تاريخي له وبلغ 4,8 في المئة؛ كما انخفضت البطالة بين المواطنين السعوديين إلى أدنى مستوى لها في 20 عاماً، وبلغت مشاركة المرأة في القوة العاملة 36 في المئة – أي ضعف المعدّل الذي كانت عليه قبل خمس سنوات.

وسجّل الوضع المالي للمملكة، بدعم من التطوّرات المواتية في سوق النفط، أول فائض منذ سنة 2013، وبلغ فائض الحساب الجاري أعلى مستوى له منذ عشر سنوات، في حين بقيت الاحتياطات الاجنبية وافرة. ويتجلّى تطور الأسواق المالية في عمليات الإدراج الاستثنائية وتدفّقات رؤوس الأموال الأجنبية، كما يؤكّد رفع وكالات التصنيف للتصنيف السيادي للمملكة الزخم القوي للإصلاح الاقتصادي.

مركز الملك عبدالله المالي – الرياض

بعد مرور سبع سنوات على اطلاق رؤية 2030، بدأ الجهد الذي بذلته السعودية للتنويع الاقتصادي يؤتي ثماره. فعلى صعيد الناتج المحلي، ظهرت قطاعات اقتصادية جديدة، بما في ذلك السياحة والترفيه والثقافة والإعلام والتعدين والمعادن والتقنيات الرقمية والطاقة المتجدّدة. كما أُحرِز تقدم ملحوظ نحو تنويع الصادرات، إذ ارتفعت نسبة الصادرات غير النفطية إلى الصادرات الإجمالية إلى نحو 25 في المئة. كما ارتفعت الإيرادات غير النفطية إلى ثلث الإيرادات الإجمالية، بعدما كانت تشكل نحو 10 في المئة قبل بضع سنوات.

تشير هذه التطوّرات الإيجابية إلى بداية تراجع الاعتماد على قطاع الهيدروكربون، وهو ما يمكن أن يمهّد الطريق لفك الارتباط بين أسعار النفط والنشاط الاقتصادي. وتوقّع صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير نمو الناتج المحلي غير النفطي بما يزيد على 4 في المئة سنويا في السنوات الخمس المقبلة. كما أشار الصندوق في تقريره لعام 2022 إلى أن نمو الناتج المحلي غير النفطي يمكن أن يرتفع إلى 8,8 في المئة في حلول سنة 2025 ضمن سيناريو يشمل تنفيذ الإصلاحات وتعزيز إستراتيجية الاستثمار الوطني وتطوير كفاءتها. وكانت أُطلِقت هذه الاستراتيجية في سنة 2021 باستثمارات تبلغ 3,3 تريليونات دولار.

بعد مرور سبع سنوات على اطلاق رؤية 2030، بدأ الجهد الذي بذلته السعودية للتنويع الاقتصادي يؤتي ثماره، وارتفعت نسبة الصادرات غير النفطية إلى الصادرات الإجمالية إلى نحو 25 في المئة

غير أن الحفاظ على مسار النمو المرتفع للاقتصاد غير النفطي يتطلّب قيام القطاع الخاص بدور أكبر، كما يتطلب زيادة تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتنوعه مع التركيز على عامل المعرفة.

تعزيز الاستثمار الاجنبي المباشر

تتقدم معظم أهداف رؤية 2030 وفقا للمسار الصحيح، وقد تحقق بعضها بالفعل وتم تجاوزه، غير ان عدداً منها لا يزال دون الأهداف المرجوة. فقد بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 1 في المئة تقريباً من الناتج المحلي، وذلك لا يزال بعيدا عن الهدف المرجو تحقيقه في سنة 2030 والبالغ 5,7 في المئة، وهو هدف طموح بلا شك، لا سيما بالنسبة إلى اقتصاد ناشئ. في السياق نفسه، يشكل القطاع الخاص نحو 40 في المئة من الناتج المحلي، وهي نسبة لا تزال بعيدة عن الـ 65 في المئة التي تستهدفها الرؤية، مع العلم أن هذه النسبة قد تكون تأثرت بأداء استثنائي لقطاع النفط في سنة 2022. 

يقود صندوق الاستثمارات العامة إلى حدّ كبير حتى الآن النمو في القطاع غير النفطي، إذ يقوم بدور تحفيزي مهم وفعّال في القطاعات الإستراتيجية حيث حضور القطاع الخاص لا يزال محدوداً، وفي القطاعات التي تتطلّب إعادة هيكلة. ويمكن توقع دور أكبر للقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر في النصف الثاني من مسار تنفيذ الرؤية مع تحقيق المملكة مزيداً من التقدّم في بناء الأسس الذي تحتاج إليها لتحقيق هذه الأهداف.

وقد حصل تقدّم كبير في هذا الصدد منذ سنة 2016. ومن الخطوات الأساسية التي تحققت إقرار صانعي السياسات لتدابير وتشريعات مهمّة لجعل بيئة الأعمال والبيئة التنظيمية أكثر جاذبية للاستثمار. نتيجة لذلك، تحسّن التصنيف العالمي للمملكة في العديد من مؤشّرات التنافسية والكفاءة، كما ارتفع عدد الصفقات والتراخيص الاستثمارية الجديدة في شكل كبير في العام المنصرم.

ومن الخطوات المهمة الأخرى قيام المملكة بزيادة الاستثمار في القطاعات الإستراتيجية المحلية، لا سيما النقل والخدمات اللوجستية. ومن المتوقّع أن يحظى هذا القطاع ما يقدّر بنحو 150 مليار دولار مع حلول سنة 2030، وهو ما يجعل المملكة مركزاً لوجستياً متقدّماً على الصعيد العالمي.

زادت السعودية الاستثمار في القطاعات الإستراتيجية، لا سيما النقل والخدمات اللوجستية، ومن المتوقّع أن يحظى هذا القطاع بنحو 150 مليار دولار مع حلول سنة 2030

وثمة تطوّر آخر أيضاً هو إقامة مشاريع وشراكات إستراتيجية خارج المنطقة. وسيعزّز الممرّ الاقتصادي الذي أعلن أخيراً بين الهند وأوروبا مروراً بالشرق الأوسط هدف السعودية الرامي إلى التحوّل إلى مركز استثماري عند ملتقى الطرق بين ثلاث قارّات.

الأولويات لسنة 2024

تشكل السنة المقبلة مرحلة مهمّة في مسار التحوّل الاقتصادي. إنها المرحلة التي تستطيع فيها المملكة العربية السعودية أن تقيّم الإنجازات التي تحقّقت حتى الآن وتحدّد الأولويات للنصف الثاني من مسار تنفيذ رؤية 2030. ومن شأن تعزيز التقدّم في توسيع دور القطاع الخاص وتمتينه وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر خفض الأخطار المتأتية من التقلّبات في أسواق النفط.

وبالتوازي مع متابعة تحقيق أهداف الرؤية، فإن إعطاء الأولوية للبرامج التي تهدف إلى تعزيز القدرات والمهارات الوطنية يكتسب أهمية كبرى. وفي هذا الاطار، ينبغي أولاً الحرص على التنفيذ السليم والفعال للتشريعات الجديدة التي أُقِرّت في السنوات الأخيرة والتي تتعلق ببيئة الاعمال. وذلك يتطلّب تعزيز القدرات المؤسساتية والبشرية للهيئات التي تتولى تنفيذ هذه التشريعات وضمان مواءمة الإجراءات الادارية مع الإصلاحات. ثانياً، ينبغي تسريع تنفيذ برامج الاستثمار في التعليم وتطوير المهارات الوطنية، بالتنسيق الوثيق مع القطاع الخاص، لتهيئة القوة العاملة السعودية للوظائف التي ستستحدث في القطاع الخاص في المستقبل. وسيساعد ذلك في تلبية خطط السعودة، إذ ستتوافق مهارات المواطنين ومواهبهم مع احتياجات سوق العمل التي ستنشأ نتيجة التنويع الاقتصادي.

لقد أنجزت المملكة العربية السعودية الكثير في فترة زمنية قصيرة نسبياً تبلغ سبع سنوات. إن البناء على التقدم الذي أُحرِز في النصف الأول من رؤية 2030 من شأنه أن يعزز مسار التنويع الاقتصادي في المملكة ويضمن نجاح المملكة في بناء نموذج مرن وشامل للنمو الاقتصادي. وسيؤدي ذلك أيضاً إلى آثار إيجابية على اقتصادات المنطقة من خلال بروز فرص جديدة للتعاون أمام القطاع الخاص وتأسيس مشاريع أعمال مشتركة. كما أن نجاح المملكة في تنويع اقتصادها بعيداً من النفط يمكن أن يشكل نموذجا يحتذى به في الدول التي تعتمد في اقتصادها حصرا على الموارد الطبيعية غير المتجددة.